فصل: تصرّفات المحتضر ومن في حكمه

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الموسوعة الفقهية الكويتية ****


احتشاش

التّعريف

1 - الاحتشاش معناه في اللّغة طلب الحشيش وجمعه، والحشيش يابس الكلأ‏.‏ قال الأزهريّ‏:‏ لا يقال للرّطب حشيش‏.‏ واصطلاحاً‏:‏ قطع الحشيش، سواء أكان يابساً أم رطباً‏.‏ وإطلاقه في الرّطب من قبيل المجاز، باعتبار ما يؤول إليه‏.‏

الحكم الإجماليّ

2 - اتّفقت المذاهب في الجملة على إباحة الاحتشاش، رطباً كان الكلأ أو جافّاً، في غير الحرم، ما دام غير مملوك لأحد‏.‏ أمّا إذا كان مملوكاً فلا يجوز احتشاشه إلاّ بإذن مالكه‏.‏ أمّا في الحرم فقد اتّفقت المذاهب على أنّه لا يحلّ قطع حشيش الحرم غير المملوك لأحد، إلاّ أنّهم أباحوا الإذخر وملحقاته والسّواك والعوسج، وقد أباح الشّافعيّة والحنابلة في رأي وأبو يوسف في رأي أيضاً الاحتشاش في الحرم لعلف الدّوابّ‏.‏ ولتفصيل ذلك ينظر الجنايات في الإحرام‏.‏

السّرقة في الاحتشاش

3 - قال المالكيّة والشّافعيّة، وهو رأي للحنابلة‏:‏ تقطع اليد في العشب المحتشّ إذا أخذ من حرز وبلغت قيمته نصاباً، وقال الحنفيّة وهو رأي للحنابلة‏:‏ لا قطع فيه‏.‏

حماية الكلأ من الاحتشاش

4 - قال الحنفيّة والحنابلة وهو رأي للشّافعيّة أنّه يجوز للإمام أن يمنع الاحتشاش في مكان معيّن يجعله حمًى لرعي خيل المجاهدين، ولما يشبه ذلك من المصالح العامّة‏.‏ أمّا المالكيّة والشّافعيّة فهم لا يجيزون المنع من الاحتشاش‏.‏

الشّركة في الاحتشاش

5 - الحنفيّة والشّافعيّة لا يجيزون عقد الشّركة في تحصيل المباحات العامّة ولا التّوكيل فيها‏.‏ والاحتشاش والاحتطاب من هذا القبيل‏.‏ أمّا المالكيّة والحنابلة فقد أجازوا ذلك‏.‏ ولتفصيل ذلك يرجع إلى أبواب الشّركة والوكالة‏.‏

احتضار

التّعريف

1 - الاحتضار لغةً‏:‏ الإشراف على الموت بظهور علاماته‏.‏ وقد يطلق على الإصابة باللّمم أو الجنون، ولا يخرج معناه في الاصطلاح عن المعنى اللّغويّ الأوّل‏.‏

علامات الاحتضار

2 - للاحتضار علامات كثيرة يعرفها المختصّون، ذكر منها الفقهاء‏:‏ استرخاء القدمين، واعوجاج الأنف، وانخساف الصّدغين، وامتداد جلدة الوجه‏.‏

ملازمة أهل المحتضر له

3 - يجب على أقارب المحتضر أن يلازموه، فإن لم يكن فعلى أصحابه، فإن لم يكن فعلى جيرانه، فإن لم يكن فعلى عموم المسلمين على وجه الكفاية، ويستحبّ أن يليه من أقاربه أحسنهم خلقاً وخلقاً وديناً، وأرفقهم به، وأعلمهم بسياسته، وأتقاهم للّه‏.‏ وندب أن يحضروا عنده طيباً، وأن يبعدوا النّساء لقلّة صبرهنّ، وندب إظهار التّجلّد لمن حضر من الرّجال‏.‏ ولا بأس بحضور الحائض والنّفساء والجنب عند المحتضر وقت الموت، إذ إنّه قد لا يمكن منعهنّ، للشّفقة، أو للاحتياج إليهنّ‏.‏ وعن الحسن أنّه كان لا يرى بأساً أن تحضر الحائض الميّت والكراهة قول الحنابلة‏.‏ وقالت المالكيّة‏:‏ يندب تجنّب حائض وجنب وتمثال وآلة لهو‏.‏

من يجري عليهم حكم الاحتضار

4 - يجري حكم الاحتضار على من قدّم للقتل حدّاً، أو قصاصاً، أو ظلماً، أو من أصيب إصابةً قاتلةً، كما يجري على من كان عند التحام صفوف المعركة‏.‏

ما يفعله المحتضر

5 - أ - ينبغي للمحتضر تحسين الظّنّ باللّه تعالى، فيندب لمن حضرته الوفاة أن يرجو رحمة ربّه ومغفرته وسعة عفوه، زيادةً على حالة الصّحّة، ترجيحاً للرّجاء على الخوف، لما روي عن جابر رضي الله عنه قال ‏"‏ سمعت النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقول قبل موته بثلاث‏:‏ «لا يموتنّ أحدكم إلاّ وهو يحسن الظّنّ باللّه تعالى» ولخبر الشّيخين في الحديث القدسيّ قال اللّه تعالى‏:‏ «أنا عند حسن ظنّ عبدي بي، فلا يظنّ بي إلاّ خيراً»‏.‏ ولحديث أنس رضي الله عنه «أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم دخل على شابّ وهو بالموت، فقال‏:‏ كيف تجدك‏؟‏ قال‏:‏ واللّه يا رسول اللّه إنّي أرجو اللّه، وإنّي أخاف ذنوبي، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلاّ أعطاه اللّه ما يرجو وأمّنه ممّا يخاف»‏.‏

ب - وجوب الإيصاء بأداء الحقوق لأصحابها‏.‏

ج - توصية أهله باتّباع ما جرت به السّنّة في التّجهيز والدّفن واجتناب البدع في ذلك اتّباعاً لأصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقد وردت الآثار الكثيرة عنهم في هذا المجال، منها ما ورد عن أبي بردة قال‏:‏ أوصى أبو موسى رضي الله عنه حين حضره الموت، قال‏:‏ إذا انطلقتم بجنازتي فأسرعوا بي المشي، ولا تتبعوني بمجمّر، ولا تجعلوا على لحدي شيئاً يحول بيني وبين التّراب، ولا تجعلوا على قبري بناءً‏.‏ وأشهدكم أنّي بريء من كلّ حالقة أو سالقة أو خارقة‏.‏ قالوا‏:‏ سمعت فيه شيئاً‏؟‏ قال‏:‏ نعم من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏.‏

د - التّوصية لأقربائه الّذين لا يرثون منه، إن لم يكن وصّى لهم في حال صحّته، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصيّة للوالدين والأقربين بالمعروف حقّاً على المتّقين‏}‏‏.‏ ولحديث «سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه قال‏:‏ كنت مع رسول اللّه في حجّة الوداع، فمرضت مرضاً أشفيت منه على الموت، فعادني رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقلت‏:‏ يا رسول اللّه إنّ لي مالاً كثيراً، وليس يرثني إلاّ ابنة لي، أفأوصي بثلثي مالي‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قلت‏:‏ بشطر مالي‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قلت‏:‏ فثلث مالي‏؟‏ قال‏:‏ الثّلث، والثّلث كثير، إنّك يا سعد إن تدع ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالةً يتكفّفون النّاس»‏.‏

التّوبة إلى اللّه

6 - يجب على المحتضر ومن في حكمه أن يتوب إلى اللّه من ذنوبه قبل وصول الرّوح إلى الحلقوم؛ لأنّ قرب الموت لا يمنع من قبول التّوبة، لقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ «إنّ اللّه يقبل توبة العبد ما لم يغرغر»‏.‏ وتفصيل ما يتّصل بالتّوبة من أحكام في مصطلح «توبة»‏.‏

تصرّفات المحتضر ومن في حكمه

7 - يجري على تصرّفات المحتضر ومن في حكمه ما يجري على تصرّفات المريض مرض الموت من أحكام، إذا كان في وعيه، وتفصيله في مصطلح «مرض الموت»‏.‏

ما يسنّ للحاضرين أن يفعلوه عند الاحتضار

أوّلاً التّلقين

8 - ينبغي تلقين المحتضر‏:‏ «لا إله إلاّ اللّه» لقول الرّسول صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لقّنوا موتاكم لا إله إلاّ اللّه»‏.‏ قال النّوويّ‏:‏ المراد بالموتى في الحديث المحتضرون الّذين هم في سياق الموت، سمّوا موتى لقربهم من الموت، تسميةً للشّيء باسم ما يصير إليه مجازاً‏.‏ وظاهر الحديث يقتضي وجوب التّلقين، وإليه مال القرطبيّ، والّذي عليه الجمهور أنّه مندوب، وأنّه لا يسنّ زيادة ‏"‏ محمّد رسول اللّه ‏"‏ وهو ما صحّحه في الرّوضة، والمجموع‏.‏ ويكون التّلقين قبل الغرغرة، جهراً وهو يسمع؛ لأنّ الغرغرة تكون قرب كون الرّوح في الحلقوم، وحينئذ لا يمكن النّطق بها‏.‏ والتّلقين إنّما يكون لمن حضر عقله وقدر على الكلام، فإنّ شارد اللّبّ لا يمكن تلقينه، والعاجز عن الكلام يردّد الشّهادة في نفسه‏.‏ والمراد بقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ «لقّنوا موتاكم لا إله إلاّ اللّه» ذكّروا المحتضر «لا إله إلاّ اللّه» لكي تكون آخر كلامه، كما في الحديث‏:‏ «من كان آخر كلامه لا إله إلاّ اللّه دخل الجنّة»‏.‏ ويرى جماعة أنّه يلقّن الشّهادة، وقالوا‏:‏ صورة التّلقين أن يقال عنده في حالة النّزع قبل الغرغرة، جهراً وهو يسمع‏:‏ «أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وأشهد أنّ محمّداً رسول اللّه ‏"‏ ولا يقال له‏:‏ قل، ولا يلحّ عليه في قولها، مخافة أن يضجر فيأتي بكلام غير لائق‏.‏ فإذا قالها مرّةً لا يعيدها عليه الملقّن، إلاّ أن يتكلّم بكلام غيرها‏.‏ ويستحبّ أن يكون الملقّن غير متّهم بالمسرّة بموته، كعدوّ أو حاسد أو وارث غير ولده، وأن يكون ممّن يعتقد فيه الخير‏.‏ وإذا ظهرت من المحتضر كلمات توجب الكفر لا يحكم بكفره، ويعامل معاملة موتى المسلمين‏.‏

ثانياً‏:‏ قراءة القرآن‏:‏

9 - يندب قراءة سورة ‏(‏يس‏)‏ عند المحتضر، لما روى أحمد في مسنده عن صفوان، قال‏:‏ «كانت المشيخة يقولون‏:‏ إذا قرئت ‏(‏يس‏)‏ عند الموت خفّف عنه بها‏.‏ وأسنده صاحب مسند الفردوس إلى أبي الدّرداء وأبي ذرّ، قالا‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ «ما من ميّت يموت فتقرأ عنده يس إلاّ هوّن اللّه عليه»‏.‏ قال ابن حبّان‏:‏ أراد به من حضرته المنيّة، لا أنّ الميّت يقرأ عليه‏.‏ وبه قال الشّافعيّة والحنابلة‏.‏ وزادت الحنابلة قراءة الفاتحة‏.‏ وقال الشّعبيّ‏:‏ «كان الأنصار يقرءون عند الميّت بسورة البقرة»‏.‏ وعن جابر بن زيد أنّه كان يقرأ عند الميّت سورة الرّعد‏.‏ وقالت المالكيّة‏:‏ يكره قراءة شيء من القرآن عند الموت وبعده وعلى القبور؛ لأنّه ليس من عمل السّلف‏.‏

ثالثاً‏:‏ التّوجيه‏:‏

10 - يوجّه المحتضر للقبلة عند شخوص بصره إلى السّماء، لا قبل ذلك، لئلاّ يفزعه، ويوجّه إليها مضطجعاً على شقّه الأيمن اعتباراً بحال الوضع في القبر؛ لأنّه أشرف عليه‏.‏ وفي توجيه المحتضر إلى القبلة ورد‏:‏ «أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لمّا قدم المدينة سأل عن البراء بن معرور‏.‏ فقالوا‏:‏ توفّي وأوصى بثلث ماله لك، وأن يوجّه للقبلة لمّا احتضر‏.‏ فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ أصاب الفطرة، وقد رددت ثلث ماله على ولده، ثمّ ذهب فصلّى عليه، وقال‏:‏ اللّهمّ اغفر له وارحمه وأدخله جنّتك، وقد فعلت»‏.‏ قال الحاكم‏:‏ ولا أعلم في توجيه المحتضر إلى القبلة غيره‏.‏ وفي اضطجاعه على شقّه الأيمن قيل‏:‏ يمكن الاستدلال عليه بحديث النّوم، فعن البراء بن عازب رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «إذا أتيت مضجعك فتوضّأ وضوءك للصّلاة، ثمّ اضطجع على شقّك الأيمن، وقل‏:‏ اللّهمّ إنّي أسلمت نفسي إليك‏.‏‏.‏‏.‏ إلى أن قال‏:‏ فإن متّ متّ على الفطرة» وليس فيه ذكر القبلة‏.‏ ولم يذكر ابن شاهين في باب المحتضر من كتاب الجنائز له غير أثر عن إبراهيم النّخعيّ قال‏:‏ «يستقبل بالميّت القبلة ‏"‏ وزاد عطاء بن أبي رباح‏:‏ «على شقّه الأيمن‏.‏ ما علمت أحداً تركه من ميّت ‏"‏، ولأنّه قريب من الوضع في القبر، ومن اضطجاعه في مرضه، والسّنّة فيهما ذلك، فكذلك فيما قرب منهما‏.‏ ويستدلّ عليه أيضاً بما روى أحمد أنّ فاطمة رضي الله عنها عند موتها استقبلت القبلة، ثمّ توسّدت يمينها‏.‏ ويصحّ أن يوجّه المحتضر إلى القبلة مستلقياً على ظهره، فذلك أسهل لخروج الرّوح، وأيسر لتغميضه وشدّ لحييه، وأمنع من تقوّس أعضائه، ثمّ إذا ألقي على القفا يرفع رأسه قليلاً ليصير وجهه إلى القبلة دون السّماء‏.‏ ويقول بعض الفقهاء‏:‏ إنّه لم يصحّ حديث في توجيه المحتضر إلى القبلة، بل كره سعيد بن المسيّب توجيهه إليها‏.‏ فقد ورد عن زرعة بن عبد الرّحمن‏:‏ «أنّه شهد سعيد بن المسيّب في مرضه، وعنده أبو سلمة بن عبد الرّحمن، فغشي على سعيد، فأمر أبو سلمة أن يحوّل فراشه إلى الكعبة، فأفاق، فقال‏:‏ حوّلتم فراشي‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم، فنظر إلى أبي سلمة فقال‏:‏ أراه بعلمك، فقال‏:‏ أنا أمرتهم‏.‏ فأمر سعيد أن يعاد فراشه»‏.‏

رابعاً‏:‏ بلّ حلق المحتضر بالماء‏:‏

11 - يسنّ للحاضرين أن يتعاهدوا بلّ حلق المحتضر بماء أو شراب، وأن يتعاهدوا تندية شفتيه بقطنة لأنّه ربّما ينشف حلقه من شدّة ما نزل به فيعجز عن الكلام‏.‏ وتعاهده بذلك يطفئ ما نزل به من الشّدّة، ويسهّل عليه النّطق بالشّهادة‏.‏

خامساً‏:‏ ذكر اللّه تعالى‏:‏

12 - يستحبّ للصّالحين ممّن يحضرون عند المحتضر أن يذكروا اللّه تعالى، وأن يكثروا من الدّعاء له بتسهيل الأمر الّذي هو فيه، وأن يدعوا للحاضرين، إذ هو من مواطن الإجابة؛ لأنّ الملائكة يؤمّنون على قولهم قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إذا حضرتم المريض، أو الميّت، فقولوا خيراً، فإنّ الملائكة يؤمّنون على ما تقولون»‏.‏

سادساً‏:‏ تحسين ظنّ المحتضر باللّه تعالى‏:‏

13 - إذا رأى الحاضرون من المحتضر أمارات اليأس والقنوط وجب عليهم أن يحسّنوا ظنّه بربّه، وأن يطمّعوه في رحمته، إذ قد يفارق على ذلك فيهلك، فتعيّن عليهم ذلك، أخذاً من قاعدة النّصيحة الواجبة‏.‏ وهذا الحال من أهمّها‏.‏

ما يسنّ للحاضرين أن يفعلوه عند موت المحتضر

14 - إذا تيقّن الحاضرون موت المحتضر، وعلامة ذلك انقطاع نفسه وانفراج شفتيه تولّى أرفق أهله به إغماض عينيه، والدّعاء له، وشدّ لحييه بعصابة عريضة تشدّ في لحييه للأسفل وتربط فوق رأسه، لأنّه لو ترك مفتوح العينين والفم حتّى يبرد بقي مفتوحهما فيقبح منظره، ولا يؤمن دخول الهوامّ فيه والماء في وقت غسله، ويليّن مفاصله ويردّ ذراعيه إلى عضديه ثمّ يمدّهما، ويردّ أصابع يديه إلى كفّيه ثمّ يمدّها، ويردّ فخذيه إلى بطنه، وساقيه إلى فخذيه ثمّ يمدّهما‏.‏ ويقول مغمضه‏:‏ «باسم اللّه، وعلى ملّة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏.‏ اللّهمّ يسّر عليه أمره، وسهّل عليه ما بعده، وأسعده بلقائك، واجعل ما خرج إليه خيراً ممّا خرج منه»‏.‏ فقد روي عن أمّ سلمة أنّها قالت‏:‏ «دخل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة وقد شقّ بصره، فأغمضه ثمّ قال‏:‏ إنّ الرّوح إذا قبض تبعه البصر‏.‏ فضجّ ناس من أهله فقال‏:‏ لا تدعوا على أنفسكم إلاّ بخير، فإنّ الملائكة يؤمّنون على ما تقولون‏.‏ ثمّ قال‏:‏ اللّهمّ اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديّين المقرّبين واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا ربّ العالمين، وأفسح له في قبره، ونوّر له فيه»‏.‏ وعن شدّاد بن أوس‏:‏ قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إذا حضرتم موتاكم فأغمضوا البصر‏.‏ وإنّ البصر يتبع الرّوح‏.‏ وقولوا خيراً، فإنّه يؤمّن على ما قال أهل الميّت»‏.‏

كشف وجه الميّت والبكاء عليه

15 - يجوز للحاضرين وغيرهم كشف وجه الميّت وتقبيله، والبكاء عليه ثلاثة أيّام بكاءً خالياً من الصّراخ والنّواح، لما ورد عن جابر بن عبد اللّه رضي الله عنه قال‏:‏ «لمّا قتل أبي جعلت أكشف الثّوب عن وجهه أبكي، ونهوني، والنّبيّ صلى الله عليه وسلم لا ينهاني، فأمر به النّبيّ صلى الله عليه وسلم فرفع فجعلت عمّتي فاطمة تبكي‏.‏ فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ تبكين أو لا تبكين، ما زالت الملائكة تظلّه بأجنحتها حتّى رفعتموه»‏.‏ ولما ورد عن عائشة رضي الله عنها‏:‏ أنّ أبا بكر كشف وجه النّبيّ صلى الله عليه وسلم وقبّله بين عينيه، ثمّ بكى، وقال‏:‏ بأبي أنت وأمّي يا رسول اللّه، طبت حيّاً وميّتاً، «وأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم دخل على عثمان بن مظعون وهو ميّت، فكشف عن وجهه، ثمّ أكبّ عليه، فقبّله وبكى حتّى رأيت الدّموع تسيل على وجنتيه» وعن عبد اللّه بن جعفر رضي الله عنه «أنّ النّبيّ أمهل آل جعفر ثلاثاً أن يأتيهم، ثمّ أتاهم، فقال‏:‏ لا تبكوا على أخي بعد اليوم»‏.‏

احتطاب

التّعريف

1 - الاحتطاب مصدر احتطب، يقال احتطب بمعنى جمع الحطب، والحطب‏:‏ ما أعدّ من شجر وقوداً للنّار‏.‏ والمعنى الاصطلاحيّ لا يخرج عن المعنى اللّغويّ‏.‏

صفته ‏(‏حكمه التّكلّفيّ‏)‏‏:‏

2 - اتّفقت المذاهب في الجملة على إباحة الاحتطاب رطباً كان الشّجر أو جافّاً في غير الحرم ما دام لا يملكه أحد‏.‏ أمّا إذا كان محوزاً أو مملوكاً، فلا يجوز أخذه أو الاحتطاب منه إلاّ بإذن صاحبه‏.‏

‏(‏الحكم الإجماليّ‏)‏‏:‏

3 - يأخذ الاحتطاب حكم الاحتشاش التّكليفيّ ‏(‏ر‏:‏ احتشاش‏)‏، غير أنّه يخالفه في أمرين‏:‏ الأوّل‏:‏ يباح في الاحتشاش في الحرم قطع الإذخر والعوسج وملحقاتهما ولا يباح ذلك في الاحتطاب‏.‏ الثّاني‏:‏ أباح بعض العلماء في الاحتشاش من الحرم علف الدّوابّ منه بخلاف الاحتطاب الّذي لم يبح فيه ذلك‏.‏

احتقان

التّعريف

1 - الاحتقان لغةً‏:‏ مصدر احتقن، بمعنى احتبس‏.‏ يقال‏:‏ حقن الرّجل بوله‏:‏ حبسه وجمعه، فهو حاقن ومطاوعه‏:‏ الاحتقان‏:‏ وحقنت المريض إذا أوصلت الدّواء إلى باطنه بالمحقن‏.‏ ويطلق في الشّريعة على احتباس البول، كما يطلقونه على تعاطي الدّواء بالحقنة في الدّبر‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

2 - الاحتباس‏.‏ مصدر احتبس‏.‏ يقال‏:‏ حبسته فاحتبس بمعنى منعته فامتنع‏.‏ فالاحتباس أعمّ‏.‏ الحصر‏:‏ هو الإحاطة والمنع والحبس‏.‏ يقال حصره العدوّ في منزله‏:‏ حبسه، وأحصره المرض‏:‏ منعه من السّفر‏.‏ ويطلق على احتباس النّجو من ضيق المخرج، فهو كذلك أعمّ‏.‏ الحقب‏:‏ حقب بالكسر حقباً فهو حقيب‏:‏ تعسّر عليه البول، أو أعجله‏.‏ وقيل‏:‏ الحاقب الّذي احتبس غائطه‏.‏ فهو على المعنى الثّاني مباين للاحتقان‏.‏

صفته ‏(‏حكمه التّكليفيّ‏)‏‏:‏

3 - يختلف حكم الاحتقان تبعاً لإطلاقاته، فيطلق الاحتقان على امتناع خروج البول لمرض أو غيره، وهذا هو الاحتقان الطّبيعيّ‏.‏ ويعتبر أحد الأعذار الّتي يسقط معها الحكم التّكليفيّ ما دامت موجودةً‏.‏ أمّا منع الإنسان نفسه من خروج البول عند الشّعور بالحاجة للتّبوّل فهو الحقن‏.‏ ويسمّى الإنسان حينئذ حاقناً‏.‏

وحكمه التّكليفيّ الكراهة أو الحرمة - على خلاف سيأتي ذكره - في حالتي الصّلاة، والقضاء بين النّاس‏.‏ ويطلق الاحتقان أيضاً على تعاطي الدّواء أو الماء عن طريق الشّرج، وحكمه التّكليفيّ تارةً الإباحة، وتارةً الحظر، على خلاف وتفصيل سيأتي بيانه‏.‏ ودليل حكم الحقن في الصّلاة أو القضاء بين النّاس هو حديث عائشة، رضي الله عنها أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «لا صلاة بحضرة الطّعام ولا وهو يدافع الأخبثين» وحديث «لا يحلّ لامرئ مسلم أن ينظر في جوف امرئ حتّى يستأذن، ولا يقوم إلى الصّلاة وهو حاقن»‏.‏ وحديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الّذي رواه أبو بكرة عنه قال‏:‏ «لا يحكم أحدكم بين اثنين وهو غضبان»‏.‏ وقاسوا عليه الحاقن‏.‏ ودليل الاحتقان للتّداوي هو دليل التّداوي نفسه بشروط‏.‏ ‏(‏ر‏:‏ تداوي‏)‏‏.‏

أوّلاً - احتقان البول وضوء الحاقن‏:‏

4 - في المسألة رأيان‏:‏ ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه لا ينتقض وضوء الحاقن؛ لأنّهم اعتبروا لانتقاض الوضوء الخروج الفعليّ من السّبيلين، لا الخروج الحكميّ‏.‏ والحاقن لم يخرج منه شيء من السّبيلين‏.‏ أمّا المالكيّة فإنّهم اعتبروا الخروج الفعليّ أو الحكميّ ناقضاً للوضوء، واعتبروا الحقن الشّديد خروجاً حكميّاً ينقض الوضوء‏.‏ ولكنّهم انقسموا إلى رأيين في تحديد درجة الاحتقان الّتي تنقض الوضوء، فقال بعضهم‏:‏ إذا كان الاحتقان شديداً بحيث يمنع من الإتيان بشيء من أركان الصّلاة حقيقةً أو حكماً، كما لو كان يقدر على الإتيان بها بعسر، فقد أبطل الحقن الوضوء، فليس له أن يفعل به ما يتوقّف على الطّهارة، كمسّ المصحف‏.‏ واعتبروا هذا خروجاً حكميّاً ينقض الوضوء‏.‏ وقال البعض الآخر‏:‏ الحقن الشّديد ينقض الوضوء، وإن لم يمنع من الإتيان بشيء من أركان الصّلاة‏.‏

صلاة الحاقن

5 - للفقهاء في حكم صلاة الحاقن اتّجاهان‏:‏ فذهب الحنفيّة والحنابلة، وهو رأي للشّافعيّة، إلى أنّ صلاة الحاقن مكروهة، لما ورد من الأحاديث السّابقة‏.‏ وقال الخراسانيّون وأبو زيد المروزيّ من الشّافعيّة‏:‏ إذا كانت مدافعة الأخبثين شديدةً لم تصحّ الصّلاة‏.‏ واستدلّ الجميع بحديث عائشة رضي الله عنها أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «لا صلاة بحضرة الطّعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان»‏.‏ وما روى ثوبان عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال‏:‏ «لا يحلّ لامرئ أن ينظر في جوف بيت امرئ حتّى يستأذن، ولا يقوم إلى الصّلاة وهو حاقن»، فالقائلون بالكراهة حملوا النّهي في الأحاديث على الكراهة‏.‏ وأخذ بظاهر الحديث أصحاب الرّأي الثّاني فحملوه على الفساد‏.‏ أمّا المالكيّة فقد ذهبوا إلى أنّ الحقن الشّديد ناقض للوضوء، فتكون صلاته باطلةً‏.‏

إعادة الحاقن للصّلاة

6 - لم يقل بإعادة صلاة الحاقن أحد ممّن قال بصحّة الصّلاة مع الكراهة، إلاّ الحنابلة على رأي، فقد صرّحوا بإعادة الصّلاة للحاقن لظاهر الحديثين السّابقين‏.‏ وقد تقدّم أنّ المالكيّة يرون بطلان صلاة الحاقن حقناً شديداً فلا بدّ من إعادتها‏.‏

الحاقن وخوف فوت الوقت

7 - ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه إذا كان في الوقت متّسع فينبغي أن يزيل العارض أوّلاً، ثمّ يشرع في الصّلاة‏.‏ فإن خاف فوت الوقت ففي المسألة رأيان‏:‏ ذهب الحنفيّة والحنابلة، وهو رأي للشّافعيّة، إلى أنّه يصلّي وهو حاقن، ولا يترك الوقت يضيع منه، إلاّ أنّ الحنابلة قالوا بالإعادة في الظّاهر عند ابن أبي موسى للحديث‏.‏ وذهب الشّافعيّة في رأي آخر حكاه المتولّي إلى أنّه يزيل العارض أوّلاً ويتوضّأ وإن خرج الوقت، ثمّ يقضيها، لظاهر الحديث؛ ولأنّ المراد من الصّلاة الخشوع، فينبغي أن يحافظ عليه وإن فات الوقت‏.‏

الحاقن وخوف فوت الجماعة أو الجمعة

8 - ذهب الحنفيّة إلى أنّه إن خاف فوت الجماعة أو الجمعة صلّى وهو حاقن، وذهب الشّافعيّة إلى أنّ الأولى ترك الجماعة وإزالة العارض، وذهب الحنابلة إلى أنّه يعتبر عذراً مبيحاً لترك الجماعة والجمعة، لعموم لفظ الحديث، وهو عامّ في كلّ صلاة‏.‏ أمّا رأي المالكيّة في حقن البول فقد سبق‏.‏

قضاء القاضي الحاقن

9 - لا يعلم خلاف بين أهل العلم في أنّ القاضي لا ينبغي له أن يحكم، وهو حاقن، ولكنّهم اختلفوا في حكم قضائه ونفاذ حكمه على رأيين‏:‏ فذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة، وهو رأي للحنابلة، وقول شريح وعمر بن عبد العزيز، إلى أنّه يكره أن يقضي القاضي وهو حاقن؛ لأنّ ذلك يمنع حضور القلب واستيفاء الفكر الّذي يتوصّل به إلى إصابة الحقّ في الغالب، فهو في معنى الغضب المنصوص عليه في الحديث المتّفق عليه عن أبي بكرة أنّه قال‏.‏ سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ «لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان‏.‏‏.‏»‏.‏ فإذا قضى وهو حاقن ينفذ قضاؤه قياساً على قضاء الغضبان عند الجمهور‏.‏ وذهب الحنابلة في رأي ثان لهم، حكاه القاضي أبو يعلى، إلى أنّه لا يجوز قضاء القاضي وهو حاقن‏.‏ فإذا حكم وهو على تلك الحالة لا ينفذ قضاؤه؛ لأنّه منهيّ عنه في الحديث المتقدّم، والنّهي يقتضي فساد المنهيّ عنه‏.‏ وقيل عند الحنابلة‏:‏ إنّما يمنع الغضب الحاكم إذا كان قبل أن يتّضح له الحكم في المسألة‏.‏ فأمّا إن اتّضح له الحكم ثمّ عرض الغضب لا يمنعه؛ لأنّ الحقّ قد استبان قبل الغضب فلا يؤثّر الغضب فيه‏.‏

ثانياً - الاحتقان للتّداوي

10 - في نقض وضوء المحتقن في القبل أو الدّبر ثلاثة اتّجاهات‏:‏ ذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى نقض الوضوء‏.‏ وذكروا أنّه إذا أدخل رجل أو امرأة في القبل أو الدّبر شيئاً من حقنة أو نحوها، ثمّ خرج، انتقض الوضوء، سواء اختلط به أذًى أم لا، ولكنّهم اختلفوا في تعليل ذلك تبعاً لقواعدهم‏:‏ فقال الحنفيّة‏:‏ إنّ هذه الأشياء وإن كانت طاهرةً في نفسها لكنّها لا تخلو عن قليل النّجاسة يخرج معها، والقليل من السّبيلين ناقض‏.‏ وعلّل الشّافعيّة ذلك بقولهم‏:‏ إنّ الدّاخل إذا خرج يعتبر خروجاً من السّبيلين، فينتقض الوضوء، سواء اختلط به أم لا، وسواء أخرج كلّه أو قطعة منه؛ لأنّه خارج من السّبيل وذهب المالكيّة‏:‏ إلى أنّه لا ينقض الوضوء وذكروا أنّ إدخال الحقنة في الدّبر لا ينقض الوضوء مع احتمال أن يصحبها نجاسة عند خروجها؛ وعلّلوا ذلك بقولهم‏:‏ إنّه خارج غير معتاد فلا ينقض الوضوء، مثل الدّود والحصى ولو صاحبه بلل‏.‏ وذهب الحنابلة إلى التّفصيل‏:‏ فاتّفقوا على أنّه إذا كان الدّاخل حقنةً أو قطناً أو غيره، فإن خرج وعليه بلل نقض الوضوء؛ لأنّ البلل لو خرج منفرداً لنقض؛ لأنّه خارج من السّبيلين، فأشبه سائر ما يخرج منهما، وإن خرج الدّاخل وليس عليه بلل ظاهر ففيه وجهان‏:‏ الأوّل‏:‏ ينقض الوضوء؛ لأنّه خارج من السّبيلين، فأشبه سائر ما يخرج منهما‏.‏ والثّاني‏:‏ لا ينقض؛ لأنّه ليس بين المثانة والجوف منفذ فلا يكون خارجاً من الجوف‏.‏

احتقان الصّائم

11 - احتقان الصّائم إمّا أن يكون في دبر أو في قبل أو في جراحة جائفة ‏(‏أي الّتي تصل إلى الجوف‏)‏ الاحتقان في الدّبر‏:‏ في المسألة رأيان‏:‏

12 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة في المشهور، وهو المذهب عند كلّ من الشّافعيّة والحنابلة، إلى أنّ الاحتقان في الدّبر يفطر الصّائم، وعليه القضاء، لقول عائشة رضي الله عنها‏:‏ «دخل عليّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال يا عائشة هل من كسرة‏؟‏ فأتيته بقرص، فوضعه في فيه، فقال‏:‏ يا عائشة هل دخل بطني منه شيء‏؟‏ كذلك قبلة الصّائم، إنّما الإفطار ممّا دخل وليس ممّا خرج»‏.‏ وعن ابن عبّاس وعكرمة‏:‏ الفطر ممّا دخل وليس ممّا خرج‏.‏ ولأنّ هذا شيء وصل إلى جوفه باختياره، فأشبه الأكل، ولوجود معنى الفطر وهو وصول ما فيه صلاح البدن‏.‏ غير أنّ المالكيّة اشترطوا أن يكون الدّاخل مائعاً‏.‏ ولم يشترط ذلك غيرهم، وذهب المالكيّة في غير المشهور عندهم، وهو رأي القاضي حسين من الشّافعيّة - وصف بأنّه شاذّ - وهو اختيار ابن تيميّة، إلى أنّه إذا احتقن الصّائم في الدّبر لا يفطر، وليس عليه قضاء‏.‏ وعلّلوا ذلك بأنّ الصّيام من دين المسلمين الّذي يحتاج إلى معرفته الخاصّ والعامّ، فلو كانت هذه الأمور ممّا حرّمها اللّه سبحانه لكان واجباً على الرّسول صلى الله عليه وسلم بيانه، ولو ذكر ذلك لعلمه الصّحابة، وبلّغوه الأمّة، كما بلّغوا سائر شرعه، فلمّا لم ينقل أحد من أهل العلم عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم في ذلك حديثاً صحيحاً ولا ضعيفاً ولا مسنداً ولا مرسلاً علم أنّه لم يذكر شيئاً من ذلك‏.‏

الاحتقان في القبل

13 - الاحتقان في القبل إذا لم يصل إلى المثانة فلا شيء فيه، ولا يؤدّي إلى فطر عند الجمهور‏.‏ وذهب الشّافعيّة في أصحّ الوجوه عندهم إلى أنّه يفطر، وفي وجه لهم‏:‏ إن جاوز الحشفة أفطر وإلاّ فلا‏.‏ أمّا إذا وصل المثانة فإنّ حكم الاحتقان بالنّسبة لقبل المرأة يأخذ حكم الاحتقان في الدّبر‏.‏ وأمّا الاحتقان؛ في قبل الرّجل ‏(‏الإحليل‏)‏ فإن وصل إلى المثانة ففيه رأيان‏:‏ ذهب أبو حنيفة ومحمّد والمالكيّة، وهو المذهب عند الحنابلة ورأي للشّافعيّة، إلى أنّه لا يفطر وليس عليه شيء‏.‏ وعلّلوا ذلك بأنّه لم يرد فيه نصّ، ومن قاسه على غيره جانب الحقّ؛ لأنّ هذا لا ينفذ إلى الجوف ولا يؤدّي إلى التّغذية الممنوعة‏.‏ وذهب أبو يوسف والشّافعيّة في الأصحّ عندهم، وهو قول للحنابلة، إلى أنّه إذا قطّر في إحليله فسد صومه؛ لأنّ هذا شيء وصل إلى جوفه باختياره فأشبه الأكل‏.‏

الاحتقان في الجائفة‏:‏

14 - ذهب الحنفيّة والشّافعيّة وهو المذهب عند الحنابلة إلى أنّه إذا تداوى بما يصل إلى جوفه فسد صومه؛ لأنّه يصل إلى الجوف؛ ولأنّ غير المعتاد كالمعتاد، ولأنّه أبلغ وأولى، والنّبيّ صلى الله عليه وسلم وسلّم «أمر بالإثمد عند النّوم، وقال ليتّقه الصّائم» ولأنّه وصل إلى جوفه باختياره، فأشبه الأكل، ولقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «الفطر ممّا دخل»‏.‏ وذهب المالكيّة، وهو رأي لكلّ من الشّافعيّة والحنابلة، إلى أنّه لا يفسد الصّوم، وعلّل ابن تيميّة ذلك بما سبق في الاحتقان مطلقاً‏.‏

الاحتقان بالمحرّم

15 - أجاز العلماء استعمال الحقنة في الدّواء من مرض أو هزال بطاهر، ولم يجز الحنفيّة استعمال الحقنة للتّقوّي على الجماع أو السّمن‏.‏ أمّا بالنّسبة للاحتقان بالمحرّم فقد منعه العلماء من غير ضرورة لعموم النّهي عن المحرّم‏.‏ أمّا إذا كان الاحتقان لضرورة، ومتعيّناً، فقد أجاز الحنفيّة والشّافعيّة الاحتقان لضرورة إذا كانت الضّرورة يخشى معها على نفسه، وأخبره طبيب مسلم حاذق أنّ شفاءه يتعيّن التّداوي بالمحرّم، على أن يستعمل قدر حاجته‏.‏ وقالوا‏:‏ إنّ حديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إنّ اللّه لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم» نفى الحرمة عند العلم بالشّفاء، فصار معنى الحديث‏:‏ إنّ اللّه تعالى أذن لكم بالتّداوي، وجعل لكلّ داء دواءً، فإذا كان في ذلك الدّواء شيء محرّم وعلمتم أنّ فيه الشّفاء فقد زالت حرمة استعماله؛ لأنّ اللّه تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم‏.‏ وأيّد هذا ابن حزم‏.‏ أمّا إذا كان التّداوي بالمحرّم لتعجيل الشّفاء ففي المسألة رأيان للحنفيّة والشّافعيّة‏.‏ فبعضهم منعه لعدم الضّرورة في ذلك ما دام هناك ما يحلّ محلّه‏.‏ وبعضهم أجازه إذا أشار بذلك طبيب مسلم حاذق‏.‏ ويرى المالكيّة وهو رأي للحنابلة‏:‏ أنّه لا يجوز الطّلاء ولا الاحتقان والتّداوي بالخمر والنّجس، ولو أدّى ذلك إلى الهلاك لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إنّ اللّه لم يجعل شفاء أمّتي فيما حرّم عليها»؛ ولأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم ذكر له النّبيذ يصنع للدّواء فقال‏:‏ «إنّه ليس بدواء ولكنّه داء»‏.‏

حقن الصّغير باللّبن وأثره في تحريم النّكاح

16 - ذهب الحنفيّة والمالكيّة في المرجوح عندهم، وهو رأي لكلّ من الشّافعيّة والحنابلة واللّيث بن سعد، إلى أنّه إذا حقن الصّغير في الشّرج باللّبن فلا يترتّب عليه حرمة النّكاح‏.‏ وعلّلوا ذلك بأنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم حرّم بالرّضاعة الّتي تقابل المجاعة، ولم يحرّم بغيرها شيئاً، فلا يقع تحريم ما لم تقابل به المجاعة؛ ولأنّه لا ينبت اللّحم، ولا ينشز العظم، ولا يكتفي به الصّبيّ‏.‏ وفي رأي لكلّ من الشّافعيّة والحنابلة يثبت التّحريم‏.‏ وعلّلوا ذلك بأنّ ما في الحقنة يصل إلى الجوف فيكون غذاءً‏.‏ وذهب المالكيّة إلى أنّه إذا كان حقن الصّغير باللّبن في مدّة الرّضاع للغذاء وقبل أن يستغني، فالرّاجح ترتّب التّحريم‏.‏

نظر الحاقن إلى العورة

17 - منع العلماء النّظر إلى العورة إلاّ في حالات الضّرورة الّتي تختلف باختلاف الأحوال‏.‏ وعدّوا من هذه الضّرورة الاحتقان‏.‏ فإذا انتفت الضّرورة حرم النّظر إلى العورة‏.‏ وللتّفصيل‏:‏ ‏(‏ر‏:‏ تطبيب‏.‏ ضرورة‏.‏ عورة‏)‏

احتكار

التّعريف

1 - الاحتكار لغةً‏:‏ حبس الطّعام إرادة الغلاء، والاسم منه‏:‏ الحكرة‏.‏ أمّا في الشّرع فقد عرّفه الحنفيّة بأنّه‏:‏ اشتراء طعام ونحوه وحبسه إلى الغلاء‏.‏ وعرّفه المالكيّة بأنّه رصد الأسواق انتظاراً لارتفاع الأثمان، وعرّفه الشّافعيّة بأنّه اشتراء القوت وقت الغلاء، وإمساكه وبيعه بأكثر من ثمنه للتّضييق‏.‏ وعرّفه الحنابلة‏.‏ بأنّه اشتراء القوت وحبسه انتظاراً للغلاء‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

2 - الادّخار‏:‏ ادّخار الشّيء تخبئته لوقت الحاجة‏.‏ وعلى هذا فيفترق الادّخار عن الاحتكار في أنّ الاحتكار لا يكون إلاّ فيما يضرّ بالنّاس حبسه، على التّفصيل السّابق، أمّا الادّخار فإنّه يتحقّق فيما يضرّ وما لا يضرّ، وفي الأموال النّقديّة وغيرها‏.‏ كما أنّ الادّخار قد يكون مطلوباً في بعض صوره، كادّخار الدّولة حاجيّات الشّعب‏.‏ وتفصيل ذلك في مصطلح «ادّخار»‏.‏

صفة الاحتكار ‏(‏حكمه التّكليفيّ‏)‏‏:‏

3 - يتّفق الفقهاء على أنّ الاحتكار بالقيود الّتي اعتبرها كلّ منهم محظور، لما فيه من الإضرار بالنّاس، والتّضييق عليهم‏.‏ وقد اختلفت عبارات الفقهاء في التّعبير عن هذا الحظر‏.‏ فجمهور الفقهاء صرّحوا بالحرمة، مستدلّين بقوله تعالى ‏{‏ومن يرد فيه بإلحاد بظلم‏}‏ فقد فهم منها صاحب الاختيار أنّها أصل في إفادة التّحريم وقد ذكر القرطبيّ عند تفسير هذه الآية أنّ أبا داود روى عن يعلى بن أميّة أنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «احتكار الطّعام في الحرم إلحاد فيه‏.‏» وهو قول عمر بن الخطّاب‏.‏ واستدلّ الكاسانيّ على ذلك بحديث‏:‏ «المحتكر ملعون» وحديث‏:‏ «من احتكر طعاماً أربعين ليلةً فقد برئ من اللّه، وبرئ اللّه منه‏.‏» ثمّ قال الكاسانيّ‏:‏ ومثل هذا الوعيد لا يلحق إلاّ بارتكاب الحرام، ولأنّه ظلم؛ لأنّ ما يباع في المصر فقد تعلّق به حقّ العامّة، فإذا امتنع المشتري عن بيعه عند شدّة حاجتهم إليه فقد منعهم حقّهم، ومنع الحقّ عن المستحقّ ظلم وحرام، يستوي في ذلك قليل المدّة وكثيرها، لتحقّق الظّلم‏.‏

4 - كما اعتبره ابن حجر الهيتميّ من الكبائر‏.‏ ويقول‏:‏ إنّ كونه كبيرةً هو ظاهر الأحاديث، من الوعيد الشّديد، كاللّعنة وبراءة ذمّة اللّه ورسوله منه والضّرب بالجذام والإفلاس‏.‏ وبعض هذه دليل على الكبيرة وممّا استدلّ به الحنابلة على التّحريم ما روى الأثرم عن أبي أمامة، قال‏:‏ «نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يحتكر الطّعام»، وما روي بإسناده عن سعيد بن المسيّب أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «من احتكر فهو خاطئ»، وما روي‏:‏ أنّ عمر بن الخطّاب خرج مع أصحابه، فرأى طعاماً كثيراً قد ألقي على باب مكّة، فقال‏:‏ ما هذا الطّعام‏؟‏ فقالوا‏:‏ جلب إلينا‏.‏ فقال‏:‏ بارك اللّه فيه وفيمن جلبه‏.‏ فقيل له‏:‏ فإنّه قد احتكر‏.‏ قال‏:‏ من احتكره‏؟‏ قالوا‏:‏ فلان مولى عثمان، وفلان مولاك، فاستدعاهما، وقال‏:‏ سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ «من احتكر على المسلمين طعامهم لم يمت حتّى يضربه اللّه بالجذام أو الإفلاس»‏.‏

5 - لكن أكثر الفقهاء الحنفيّة وبعض الشّافعيّة عبّروا عنه بالكراهة إذا كان يضرّ بالنّاس‏.‏ وتصريح الحنفيّة بالكراهة على سبيل الإطلاق ينصرف إلى الكراهة التّحريميّة‏.‏ وفاعل المكروه تحريماً عندهم يستحقّ العقاب، كفاعل الحرام، كما أنّ كتب الشّافعيّة الّتي روت عن بعض الأصحاب القول بالكراهة قد قالوا عنه‏:‏ ليس بشيء‏.‏

الحكمة في تحريم الاحتكار

6 - يتّفق الفقهاء على أنّ الحكمة في تحريم الاحتكار رفع الضّرر عن عامّة النّاس‏.‏ ولذا فقد أجمع العلماء على أنّه لو احتكر إنسان شيئاً، واضطرّ النّاس إليه، ولم يجدوا غيره، أجبر على بيعه - على ما سيأتي بيانه - دفعاً للضّرر عن النّاس، وتعاوناً على حصول العيش‏.‏ وهذا ما يستفاد ممّا نقل عن مالك من أنّ رفع الضّرر عن النّاس هو القصد من التّحريم، إذ قال‏:‏ إن كان ذلك لا يضرّ بالسّوق فلا بأس وهو ما يفيده كلام الجميع‏.‏

ما يجري فيه الاحتكار

7 - هناك ثلاث اتّجاهات‏:‏ الأوّل‏:‏ ما ذهب إليه أبو حنيفة ومحمّد والشّافعيّة والحنابلة أنّه لا احتكار إلاّ في القوت خاصّةً‏.‏ الاتّجاه الثّاني‏:‏ أنّ الاحتكار يجري في كلّ ما يحتاجه النّاس، ويتضرّرون من حبسه، من قوت وإدام ولباس وغير ذلك‏.‏ وهذا ما ذهب إليه المالكيّة وأبو يوسف من الحنفيّة‏.‏ الاتّجاه الثّالث‏:‏ أنّه لا احتكار إلاّ في القوت والثّياب خاصّةً‏.‏ وهذا قول لمحمّد بن الحسن‏.‏ واستدلّ الجمهور - أصحاب الاتّجاه الأوّل - بأنّ الأحاديث الواردة في هذا الباب بعضها عامّ، كالحديث الّذي رواه مسلم وأبو داود عن سعيد بن المسيّب عن معمر بن عبد اللّه، أنّه قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من احتكر فهو خاطئ»، وفي رواية أخرى رواها مسلم وأحمد‏:‏ «لا يحتكر إلاّ خاطئ»، وحديث أحمد عن أبي هريرة، قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من احتكر حكرةً يريد أن يغلّي بها على المسلمين فهو خاطئ»‏.‏ وزاد الحاكم‏:‏ «وقد برئت منه ذمّة اللّه»‏.‏ فهذه نصوص عامّة في كلّ محتكر‏.‏ وقد وردت نصوص أخرى خاصّة، منها حديث ابن ماجه بسنده‏:‏ «من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه اللّه بالجذام والإفلاس»‏.‏ وما رواه أحمد والحاكم وابن أبي شيبة والبزّار وأبو يعلى بلفظ‏:‏ «من احتكر الطّعام أربعين ليلةً فقد برئ من اللّه وبرئ اللّه منه»‏.‏ وزاد الحاكم‏.‏ «وأيّما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمّة اللّه»‏.‏ وإذا اجتمعت نصوص عامّة وأخرى خاصّة في مسألة واحدة حمل العامّ على الخاصّ والمطلق على المقيّد، واستدلّ المالكيّة وأبو يوسف بالأحاديث العامّة، وقالوا‏:‏ إنّ ما ورد من النّصوص الخاصّة فهي من قبيل اللّقب، واللّقب لا مفهوم له‏.‏ وأمّا ما ذهب إليه محمّد بن الحسن في قوله الثّاني فإنّه حمل الثّياب على القوت باعتبار أنّ كلّاً منهما من الحاجات الضّروريّة‏.‏

ما يتحقّق به الاحتكار

8 - يتحقّق الاحتكار في صور بعضها متّفق على تحريمه وهي ما إذا اجتمع فيه كون الشّيء المحتكر طعاماً وأن يحوزه بطريق الشّراء وأن يقصد الإغلاء على النّاس وأن يترتّب على ذلك الإضرار والتّضييق عليهم، وهناك صور مختلف في تحريمها بحسب الشّروط‏.‏

شروط الاحتكار

9 - يشترط في الاحتكار ما يأتي‏:‏

1 - أن يكون تملّكه للسّلعة بطريق الشّراء‏.‏ وهذا ما ذهب إليه الجمهور، وذهب بعض المالكيّة، وهو منقول عن أبي يوسف من الحنفيّة، إلى أنّ العبرة إنّما هي باحتباس السّلع بحيث يضرّ بالعامّة، سواء أكان تملّكها بطريق الشّراء، أو الجلب، أو كان ادّخاراً لأكثر من حاجته ومن يعول‏.‏ وعلى ما ذهب إليه الجمهور لا احتكار فيما جلب مطلقاً، وهو ما كان من سوق غير سوق المدينة، أو من السّوق الّذي اعتادت المدينة أن تجلب طعامها منه‏.‏ ويرى كلّ من صاحب الاختيار وصاحب البدائع أنّه إذا كان من سوق اعتادت المدينة أن تجلب طعامها منه، فاشتراه قاصداً حبسه، يكون محتكراً ويتفرّع على اشتراط الشّراء لتحقّق الاحتكار أنّ حبس غلّة الأرض المزروعة لا يكون احتكاراً‏.‏ وهذا هو رأي الجمهور‏.‏ وهناك من علماء المالكيّة من اعتبر حبس هذه الغلّة من قبيل الاحتكار‏.‏ ومن علماء الحنفيّة من يرى - أيضاً - أنّ هذا رأي لأبي يوسف‏.‏ وقد نقل الرّهونيّ عن الباجيّ أنّ ابن رشد قال‏:‏ «إذا وقعت الشّدّة أمر أهل الطّعام بإخراجه مطلقاً، ولو كان جالباً له، أو كان من زراعته»‏.‏ والمعتمد ما أفاده ابن رشد‏.‏

2 - أن يكون الشّراء وقت الغلاء للتّجارة انتظاراً لزيادة الغلاء‏.‏ وهذا ما ذهب إليه الشّافعيّة‏.‏ فلو اشترى في وقت الرّخص، وحبسه لوقت الغلاء، فلا يكون احتكاراً عندهم‏.‏

3 - واشترط الحنفيّة أن يكون الحبس لمدّة، ولم نقف لفقهاء المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة على كلام في هذا، وإنّما الّذي تعرّض لذكر المدّة فقهاء الحنفيّة، فيقول الحصكفيّ نقلاً عن الشرنبلالي عن الكافي‏:‏ إنّ الاحتكار شرعاً اشتراء الطّعام ونحوه وحبسه إلى مدّة اختلفوا في تقديرها، فمن قائل إنّها أربعون يوماً، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد والحاكم بسنده‏:‏ «من احتكر الطّعام أربعين ليلةً فقد برئ من اللّه وبرئ اللّه منه»‏.‏ لكن حكى ابن أبي حاتم عن أبيه أنّه منكر‏.‏ ومن قائل إنّها شهر؛ لأنّ ما دونه قليل عاجل والشّهر وما فوقه كثير آجل‏.‏ ويقع التّفاوت في المأثم بين أن يتربّص قلّة الصّنف، وبين أن يتربّص القحط‏.‏ وقيل إنّ هذه المدد للمعاقبة في الدّنيا‏.‏ أمّا الإثم الأخرويّ فيتحقّق وإن قلّت المدّة‏.‏ وقد أورد الحصكفيّ هذا الخلاف، وأضاف إليه أنّ من الفقهاء من قال بأكثر من المدّتين‏.‏ وقد نقل ذلك ابن عابدين في حاشيته‏.‏

4 - أن يكون المحتكر قاصداً الإغلاء على النّاس وإخراجه لهم وقت الغلاء‏.‏

احتكار العمل

10 - تعرّض بعض الفقهاء لمثل هذا لا على أنّه من قبيل الاحتكار الاصطلاحيّ، ولكن فيه معنى الاحتكار، لما فيه من ضرر العامّة، فقد نقل ابن القيّم أنّ غير واحد من العلماء، كأبي حنيفة وأصحابه، منعوا القسّامين - الّذين يقسمون العقار وغيره بالأجرة - أن يشتركوا، فإنّهم إذا اشتركوا والنّاس يحتاجون إليهم أغلوا عليهم الأجرة‏.‏ وكذلك ينبغي لوالي الحسبة أن يمنع مغسّلي الموتى والحمّالين لهم من الاشتراك، لما في ذلك من إغلاء الأجرة عليهم، وكذلك اشتراك كلّ طائفة يحتاج النّاس إلى منافعهم‏.‏

احتكار الصّنف

11 - وقد صوّره ابن القيّم بقوله‏:‏ أن يلزم النّاس ألاّ يبيع الطّعام أو غيره من الأصناف إلاّ ناس معروفون، فلا تباع تلك السّلع إلاّ لهم، ثمّ يبيعونها هم بما يريدون‏.‏ فهذا من البغي في الأرض والفساد بلا تردّد في ذلك عند أحد من العلماء‏.‏ ويجب التّسعير عليهم، وأن يبيعوا ويشتروا بقيمة المثل منعاً للظّلم‏.‏ وكذلك إيجار الحانوت على الطّريق أو في القرية بأجرة معيّنة، على ألاّ يبيع أحد غيره، نوع من أخذ أموال النّاس قهراً وأكلها بالباطل، وهو حرام على المؤجّر والمستأجر‏.‏

العقوبة الدّنيويّة للمحتكر

12 - اتّفق فقهاء المذاهب على أنّ الحاكم يأمر المحتكر بإخراج ما احتكر إلى السّوق وبيعه للنّاس‏.‏ فإن لم يمتثل فهل يجبر على البيع‏؟‏ في هذه المسألة تفصيل وخلاف بين الفقهاء‏:‏ أوّلاً‏:‏ إذا خيف الضّرر على العامّة أجبر، بل أخذ منه ما احتكره، وباعه، وأعطاه المثل عند وجوده، أو قيمته‏.‏ وهذا قدر متّفق عليه بين الأئمّة، ولا يعلم خلاف في ذلك‏.‏ ثانياً‏:‏ إذا لم يكن هناك خوف على العامّة فالمالكيّة والشّافعيّة والحنابلة ومحمّد بن الحسن من الحنفيّة يرون أنّ للحاكم جبره إذا لم يمتثل الأمر بالبيع‏.‏ وأمّا أبو حنيفة وأبو يوسف فيريان أنّه لا يجبر على البيع، وإنّما إذا امتنع عن البيع عزّره الحاكم‏.‏ وعند من يرى الجبر فمنهم من يرى الجبر بادئ ذي بدء‏.‏ ومنهم من يرى الإنذار مرّةً، قب وقيل اثنتين، وقيل ثلاثاً‏.‏ وتدلّ النّقول عن الفقهاء أنّ هذه المسألة مرجعها مراعاة المصلحة‏.‏ وهو من قبيل السّياسة الشّرعيّة‏.‏

احتلام

التّعريف

1 - من معاني الاحتلام في اللّغة رؤيا المباشرة في المنام‏.‏ ويطلق في اللّغة أيضاً على الإدراك والبلوغ‏.‏ ومثله الحلم‏.‏ وهو عند الفقهاء اسم لما يراه النّائم من المباشرة، فيحدث معه إنزال المنيّ غالباً‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

2 - أ - الإمناء‏:‏ يذكر الاحتلام ويراد به الإمناء، إلاّ أنّ الإمناء أعمّ منه، إذ لا يقال لمن أمنى في اليقظة محتلم‏.‏

ب - الجنابة‏:‏ أعمّ من وجه من الاحتلام فقد تكون من الاحتلام، وقد تكون من غيره كالتقاء الختانين كما أنّ الاحتلام قد يكون بلا إنزال فلا تحصل الجنابة‏.‏

ج - البلوغ‏:‏ البلوغ يحصل بعلامات كثيرة منها الاحتلام، فهو علامة البلوغ‏.‏

ممّن يكون الاحتلام‏؟‏

3 - الاحتلام كما يكون من الرّجل يكون من المرأة، فقد روى مسلم والبخاريّ أنّ «أمّ سليم حدّثت أنّها سألت النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت‏:‏ هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت‏؟‏ قال‏:‏ نعم إذا رأت الماء‏.‏»

بم يتحقّق احتلام المرأة‏؟‏

4 - للفقهاء في حصول الاحتلام من المرأة ثلاثة آراء‏:‏

أ - حصول الاحتلام بوصول المنيّ إلى ظاهر الفرج‏.‏ وهو قول الحنابلة، وظاهر الرّواية عند الحنفيّة، وهو قول الشّافعيّة بالنّسبة للثّيّب‏.‏ والمراد بظاهر الفرج‏:‏ ما يظهر عند قضاء الحاجة، أو عند الجلوس عند القدمين‏.‏

ب - حصول الاحتلام بوصول المنيّ خارج الفرج، وهو قول المالكيّة مطلقاً، وقول الشّافعيّة بالنّسبة للبكر؛ لأنّ داخل فرجها كباطن الجسم‏.‏

ح - حصول الاحتلام بمجرّد إنزال المرأة في رحمها وإن لم يخرج المنيّ إلى ظاهر الفرج؛ لأنّ منيّ المرأة عادةً ينعكس داخل الرّحم ليتخلّق منه الولد، وهو قول محمّد بن الحسن من الحنفيّة‏.‏

أثر الاحتلام في الغسل‏؟‏

5 - إن كان المحتلم كافراً ثمّ أسلم فللعلماء في ذلك رأيان‏:‏ الأوّل‏:‏ وجوب الغسل من الجنابة، وهو مذهب الشّافعيّة والحنابلة والأصحّ عند الحنفيّة، وهو قول للمالكيّة، لبقاء صفة الجنابة بعد الاحتلام، ولا يجوز أداء الصّلاة ونحوها إلاّ بزوال الجنابة‏.‏ الثّاني‏:‏ ندب الغسل، وهو قول ابن القاسم والقاضي إسماعيل من المالكيّة، ومقابل الأصحّ عند الحنفيّة؛ لأنّ الكافر وقت الاحتلام لم يكن مكلّفاً بفروع الشّريعة‏.‏

الاحتلام بلا إنزال

6 - من احتلم ولم يجد منيّاً فلا غسل عليه‏.‏ قال ابن المنذر‏:‏ أجمع على هذا كلّ من أحفظ عنه من أهل العلم‏.‏ ولو استيقظ ووجد المنيّ ولم يذكر احتلاماً فعليه الغسل، لما روت عائشة رضي الله عنها «أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سئل عن الرّجل يجد البلل ولا يذكر الاحتلام، قال‏:‏ يغتسل، وعن الرّجل يرى أنّه احتلم ولا يجد البلل قال‏:‏ لا غسل عليه»‏.‏ ولا يوجد من يقول غير ذلك، إلاّ وجهاً شاذّاً للشّافعيّة، وقولاً للمالكيّة‏.‏

7 - وإذا رأى المنيّ في فراش ينام فيه مع غيره ممّن يمكن أن يمني، ونسبه كلّ منهما لصاحبه، فالغسل مستحبّ لكلّ واحد منهما عند الشّافعيّة والحنابلة، ولا يلزم، ولا يجوز أن يصلّي أحدهما خلف الآخر قبل الاغتسال، للشّكّ، وهو لا يرتفع به اليقين‏.‏ وقال الحنفيّة بوجوب الغسل على كلّ منهما‏.‏ وفصّل المالكيّة فقالوا‏:‏ إنّه إن كانا زوجين وجب على الزّوج وحده‏.‏؛ لأنّ الغالب خروج المنيّ من الزّوج وحده، ويعيد الصّلاة من آخر نومة، ويجب عليهما معاً الغسل إن كانا غير زوجين‏.‏ ولا فرق بين الزّوجين وغيرهما عند بقيّة المذاهب‏.‏

8 - والثّوب الّذي ينام فيه هو وغيره كالفراش عند الشّافعيّة والحنابلة، ويعيد كلّ صلاة لا يحتمل خلوّها عن الإمناء قبلها عند الشّافعيّة ومن آخر نومة عند الحنابلة ما لم تظهر أمارة على أنّه حدث قبلها‏.‏ وقال المالكيّة يستحبّ الغسل‏.‏

9 - ولو استيقظ فوجد شيئاً وشكّ في كونه منيّاً أو غيره ‏(‏والشّكّ‏:‏ استواء الطّرفين دون ترجيح أحدهما على الآخر‏)‏ فللفقهاء في ذلك عدّة آراء‏:‏

أ - وجوب الغسل، وهو قول الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة، إلاّ أنّ الحنفيّة أوجبوا الغسل إن تذكّر الاحتلام وشكّ في كونه منيّاً أو مذياً، أو منيّاً أو ودياً، وكذا إن شكّ في كونه مذياً أو ودياً؛ لأنّ المنيّ قد يرقّ لعارض كالهواء، لوجود القرينة، وهي تذكّر الاحتلام‏.‏ فإن لم يتذكّر الاحتلام فالحكم كذلك عند أبي حنيفة ومحمّد، أخذاً بالحديث «في جوابه صلى الله عليه وسلم عن الرّجل يجد البلل ولم يذكر احتلاماً قال‏:‏ يغتسل»‏.‏ للإطلاق في كلمة «البلل»‏.‏ وقال أبو يوسف‏:‏ لا يجب، وهو القياس؛ لأنّ اليقين لا يزول بالشّكّ، وهذا كلّه مقيّد عند الحنفيّة والحنابلة بألاّ يسبقه انتشار قبل النّوم، فإن سبقه انتشار ترجّح أنّه مذي‏.‏ وزاد الحنابلة‏:‏ أو كانت بها إبردة؛ لاحتمال أن يكون مذياً، وقد وجد سببه‏.‏ ويجب منه حينئذ الوضوء، وقصر المالكيّة وجوب الغسل على ما إذا كان الشّكّ بين أمرين أحدهما منيّ‏.‏ فإن شكّ في كونه واحداً من ثلاثة فلا يجب الغسل، لضعف الشّكّ بالنّسبة للمنيّ، لتعدّد مقابله‏.‏

ب - عدم وجوب الغسل، وهو وجه للشّافعيّة، وقول مجاهد وقتادة؛ لأنّ اليقين لا يزول بالشّكّ‏.‏ والأولى الاغتسال لإزالة الشّكّ‏.‏ وأوجبوا من ذلك الوضوء مرتّباً‏.‏

ج - التّخيير في اعتباره واحداً ممّا اشتبه فيه، وهو مشهور مذهب الشّافعيّة، وذلك لاشتغال ذمّته بطهارة غير معيّنة‏.‏

د - وللشّافعيّة وجه آخر وهو لزوم مقتضى الجميع‏.‏ أي الغسل والوضوء، للاحتياط‏.‏

أثر الاحتلام في الصّوم والحجّ

10 - لا أثر للاحتلام في الصّوم، ولا يبطل به باتّفاق، لقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ «ثلاث لا يفطرن الصّائم‏:‏ الحجامة، والقيء، والاحتلام»، ولأنّ فيه حرجاً، لعدم إمكان التّحرّز عنه إلاّ بترك النّوم، والنّوم مباح، وتركه غير مستطاع‏.‏ ولأنّه لم توجد صورة الجماع، ولا معناه وهو الإنزال عن شهوة بمباشرة ولا أثر له كذلك في الحجّ باتّفاق‏.‏

أثر الاحتلام في الاعتكاف

11 - يتّفق الفقهاء على أنّ الاعتكاف لا يبطل بالاحتلام، ولا يفسد إن خرج المعتكف للاغتسال خارج المسجد، إلاّ في حالة واحدة ذكرها الحنفيّة وهي إن أمكنه الاغتسال في المسجد، ولم يخش تلويثه فإن خيف تلويثه منع؛ لأنّ تنظيف المسجد واجب‏.‏ وبقيّة الفقهاء منهم من يجيز الخروج للاغتسال ولو مع أمن المسجد في التّلوّث، ومنهم من يوجب الخروج ويحرّم الاغتسال في المسجد مطلقاً، فإن تعذّر الخروج فعليه تيمّم‏.‏ والخروج لا يقطع التّتابع باتّفاق ما لم يطل‏.‏

12 - وفي اعتبار زمن الجنابة من الاعتكاف خلاف بين الفقهاء‏.‏ فالشّافعيّة لا يعدّون زمن الجنابة من الاعتكاف إن اتّفق المكث معها لعذر أو غيره؛ لمنافاة ذلك للاحتلام، وهو قول الحنفيّة والمالكيّة، ويحسب عند الحنابلة، فقد صرّحوا بعدم قضائه لكونه معتاداً، ولا كفّارة فيه‏.‏

البلوغ بالاحتلام

13 - يتّفق الفقهاء على أنّ البلوغ يحصل بالاحتلام مع الإنزال، وينقطع به اليتم لما روي عن عليّ رضي الله عنه عن النّبيّ عليه الصلاة والسلام قال‏:‏ «لا يتم بعد احتلام ولا صمات يوم إلى اللّيل »‏.‏

احتواش

التّعريف

1 - الاحتواش لغةً الإحاطة‏.‏ يقال‏:‏ احتوش القوم على فلان إذا جعلوه وسطهم، واحتوش القوم الصّيد أحاطوا به‏.‏ ومن استعمله من الفقهاء - وهم الشّافعيّة - أطلقوه على إحاطة خاصّة، وهي إحاطة الدّمين بطهر، وإن كان غيرهم تعرّض للمسألة من غير استعمال هذه التّسمية‏.‏

الحكم الإجماليّ

2 - ذهب المالكيّة والشّافعيّة في الأصحّ عندهم إلى أنّ الطّهر الّذي يعتبر في العدّة هو المحتوش بين دمين، فلو طلّق صغيرةً ومضى قدر زمن الطّهر ثمّ حاضت فلا يعتبر قرءاً‏.‏ ومقابل الأصحّ اعتباره قرءاً؛ لأنّ القرء هو انتقال من طهر إلى حيض ولا يخفى أنّ هذا لا يسمّى احتواشاً‏.‏ ويذكر الفقهاء ذلك في عدّة ذوات الأقراء‏.‏ ولا ترد هذه المسألة في مذهب الحنفيّة، ولا على الأصحّ عند الحنابلة؛ لأنّ العدّة عندهم بالحيض لا بالأطهار‏.‏

احتياط

التّعريف

1 - من معاني الاحتياط لغةً‏:‏ الأخذ في الأمور بالأحزم والأوثق، وبمعنى المحاذرة، ومنه القول السّائر‏:‏ أوسط الرّأي الاحتياط، وبمعنى الاحتراز من الخطأ واتّقائه‏.‏ ويستعمل الفقهاء الاحتياط بهذه المعاني كذلك‏.‏ أمّا الورع فهو اجتناب الشّبهات خوفاً من الوقوع في المحرّمات‏.‏

الحكم الإجماليّ

2 - كثير من الأحكام الفقهيّة تثبت لأجل الاحتياط، فمن نسي الظّهر والعصر من يومين لا يدري أي اليومين أسبق، فإنّه يصلّي الظّهر ثمّ العصر ثمّ الظّهر في أحد الاحتمالات، والباعث على ذلك الاحتياط‏.‏ ولتعارض الاحتياط مع أصل براءة الذّمّة، ومع قاعدة التّحرّي والتّوخّي عند الحرج، يأتي التّردّد والخلاف في الأحكام المبنيّة على الاحتياط‏.‏ ويذكر الأصوليّون ما عبّر عنه الأنصاريّ شارح مسلم الثّبوت أنّه ‏"‏ ليس كلّ ما كان أحوط يجب، بل إنّما هو فيما ثبت وجوبه من قبل، فيجب فيه ما تخرج به عن العهدة يقيناً، كالصّلاة المنسيّة، كما إذا فاتت صلاة من يوم فنسيها، فيجب عليه قضاء الصّلوات الخمس من ذلك اليوم ليخرج عن عهدة المنسيّة يقيناً ‏"‏ قال‏:‏ «ومنه نسيان المستحاضة أيّامها يجب عليها التّطهّر لكلّ صلاة أو لوقت كلّ صلاة ‏"‏ على خلاف تفصيله في ‏"‏ حيض»‏.‏ ثمّ ذكر الحالة الثّانية الّتي يجب فيها الفعل احتياطاً فقال‏:‏ «أو كان الوجوب هو الأصل ثمّ يعرض ما يوجب الشّكّ، كصوم الثّلاثين من رمضان، فإنّ الوجوب فيه الأصل، وعروض عارض الغمام لا يمنعه، فيجب احتياطاً، لا كصوم يوم الشّكّ، فلا يثبت الوجوب للاحتياط في صوم يوم الشّكّ؛ لأنّ الوجوب فيه ليس هو الأصل، ولا هو ثابت يقيناً»‏.‏

مواطن البحث

3 - يذكر الأصوليّون في باب تعارض الأدلّة ترجيح الدّليل المقتضي للتّحريم على ما يقتضي غيره من الأحكام لاستناد ذلك التّرجيح للاحتياط، وفي تعارض العلل ترجيح العلّة المقتضية للتّحريم على المقتضية لغيره‏.‏ وذكروا أيضاً مسألة جريان الاحتياط في الوجوب والنّدب والتّحريم، في الباب نفسه أيضاً‏.‏ ومحلّ ذلك الملحق الأصوليّ‏.‏ ويذكر الفقهاء القواعد المبنيّة على الاحتياط، ومنها قاعدة تغليب الحرام عند اجتماع الحرام والحلال، وما يدخل في هذه القاعدة وما يخرج عنها، في كتب القواعد الفقهيّة‏.‏

احتيال

التّعريف

1 - يأتي الاحتيال بمعنى طلب الحيلة، وهي الحذق في تدبير الأمور، أي تقليب الفكر حتّى يهتدي إلى المقصود‏.‏ ويأتي بمعنى الاحتيال بالدّين‏.‏ ولا يخرج استعمال الأصوليّين والفقهاء له عن هذا، إلاّ أنّ ابن القيّم ذكر أنّه غلب على الحيلة في العرف استعمالها في سلوك الطّرق الخفيّة الّتي يتوصّل بها الرّجل إلى حصول غرضه بحيث لا يتفطّن له إلاّ بنوع من الذّكاء والفطنة‏.‏ فهذا أخصّ من موضوعها في أصل اللّغة، وسواء أكان المقصود أمراً جائزاً أم محرّماً، وأخصّ من هذا استعمالها في التّوصّل إلى الغرض الممنوع منه شرعاً أو عقلاً أو عادةً‏.‏ وهذا هو الغالب عليها في عرف النّاس‏.‏ إطلاقاته‏:‏ الأوّل‏:‏ بمعنى استعمال الطّرق الّتي يتوصّل بها الإنسان إلى غرضه‏.‏ الثّاني‏:‏ بمعنى نقل الدّين من ذمّة إلى ذمّة، وهو الحوالة‏.‏

الحكم الإجماليّ

أوّلاً‏:‏ بالمعنى الأوّل‏:‏ يختلف حكم الاحتيال باختلاف القصد والنّيّة، وباختلاف مآل العمل، وذلك على الوجه الآتي‏:‏

2 - يكون الاحتيال حراماً إذا تسبّب به المكلّف في إسقاط ما وجب شرعاً، حتّى يصير غير واجب في الظّاهر، أو في جعل المحرّم حلالاً في الظّاهر‏.‏ ذلك أنّ العمل إذا قصد به إبطال حكم شرعيّ وتحويله في الظّاهر إلى حكم آخر، حتّى يصير مآل ذلك العمل خرم قواعد الشّريعة في الواقع، فهو حرام منهيّ عنه‏.‏ وذلك كما لو دخل عليه وقت الصّلاة فشرب خمراً أو دواءً منوّماً حتّى يخرج وقتها وهو فاقد لعقله كالمغمى عليه، أو كان له مال يقدر به على الحجّ فوهبه كي لا يجب عليه الحجّ‏.‏ وكذلك يحرم التّصرّف في المال بهبة أو غيرها قبل الحول للفرار من الزّكاة عند المالكيّة والحنابلة‏.‏ وقد اختلف الحنفيّة في ذلك، فقال أبو يوسف‏:‏ لا يكره ذلك؛ لأنّه امتناع عن الوجوب لإبطال حقّ الغير‏.‏ وفي المحيط أنّه الأصحّ‏.‏ وقال محمّد‏:‏ يكره‏.‏ واختاره الشّيخ حميد الدّين الضّرير؛ لأنّ فيه إضراراً بالفقراء، وإبطال حقّهم مآلاً‏.‏ وقيل‏:‏ الفتوى على قول محمّد، كذلك الأمر بالنّسبة للشّافعيّة، ففي نهاية المحتاج والشّروانيّ‏:‏ يكره تنزيهاً إن قصد به الفرار من الزّكاة‏.‏ وقال الشّروانيّ‏:‏ وفي الوجيز يحرم‏.‏ زاد في الإحياء‏:‏ ولا تبرأ به الذّمّة باطناً، وأنّ هذا من الفقه الضّارّ، وقال ابن الصّلاح يأثم بقصده لا بفعله‏.‏ كذلك يحرم الاحتيال لأخذ أموال النّاس وظلمهم في نفوسهم وسفك دمائهم وإبطال حقوقهم‏.‏ والدّليل على حرمة الاحتيال قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد علمتم الّذين اعتدوا منكم في السّبت‏.‏‏.‏‏}‏‏.‏؛ لأنّهم احتالوا للاصطياد في السّبت بصورة الاصطياد في غيره‏.‏ وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لا يجمع بين متفرّق ولا يفرّق بين مجتمع خشية الصّدقة»‏.‏

3 - ويكون الاحتيال جائزاً إذا قصد به أخذ حقّ، أو دفع باطل، أو التّخلّص من الحرام، أو التّوصّل إلى الحلال، وسواء أكانت الوسيلة محرّمةً أم مشروعةً، إلاّ أنّها إن كانت محرّمةً فهو آثم على الوسيلة دون المقصود، وقد يطلب الاحتيال ولا سيّما في الحرب؛ لأنّها خدعة‏.‏ والأصل في الجواز قول اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث‏}‏‏.‏

4 - ومنه ما يختلف فيه وهو ما لم يتبيّن فيه مقصد للشّارع يتّفق على أنّه مقصود له، ولا ظهر أنّه على خلاف المصلحة الّتي وضعت لها الشّريعة بحسب المسألة المفروضة‏.‏ فمن رأى من الفقهاء أنّ الاحتيال في أمر ما غير مخالف للمصلحة فالتّحيّل جائز عنده فيه، ومن رأى أنّه مخالف فالتّحيّل ممنوع عنده فيه‏.‏ على أنّه من المقرّر أنّ من يجيز التّحيّل في بعض المسائل فإنّما يجيزه بناءً على تحرّي قصد المكلّف المحتال، وأنّه غير مخالف لقصد الشّارع؛ لأنّ مصادمة الشّارع صراحاً، علماً أو ظنّاً، ممنوع، كما أنّ المانع إنّما منع بناءً على أنّ ذلك مخالف لقصد الشّارع؛ ولما وضع في الأحكام من المصالح‏.‏ ومن ذلك نكاح المحلّل، فإنّه تحيّل إلى رجوع الزّوجة إلى مطلّقها الأوّل بحيلة توافق في الظّاهر قوله اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏فإن طلّقها فلا تحلّ له من بعد حتّى تنكح زوجاً غيره‏}‏ فقد نكحت المرأة هذا المحلّل، فكان رجوعها إلى الأوّل بعد تطليق الثّاني موافقاً‏.‏ ونصوص الشّارع مفهمة لمقاصده، ومن ذلك بيوع الآجال‏.‏

5 - وأكثر الّذين أخذوا بالاحتيال هم الحنفيّة فالشّافعيّة‏.‏ أمّا المالكيّة والحنابلة فإنّ الأصل عندهم هو منع الاحتيال غالباً، وهو لا يفيد في العبادات ولا في المعاملات؛ لأنّ تجويز الحيل يناقض سدّ الذّرائع، فإنّ الشّارع يسدّ الطّريق إلى المفاسد بكلّ ممكن، والمحتال يفتح الطّريق إليها بحيلة‏.‏ ثانياً بالمعنى الثّاني‏:‏

6 - الاحتيال بالحقّ من جهة المحيل يكون نتيجة عقد الحوالة، فالحوالة عقد يقتضي نقل دين من ذمّة إلى أخرى، وهي مستثناة - كما يقول بعض الفقهاء - من بيع الدّين بالدّين‏.‏

7 - وهي جائزة للحاجة إليها‏.‏ والأصل فيها قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إذا أحيل أحدكم على مليء فليحتل» والحكم فيها براءة ذمّة المحيل من دين المحال له‏.‏ وقد اشترط الفقهاء لصحّتها شروطاً، كرضا المحيل المحال له، والعلم بما يحال به وعليه‏.‏ وغير ذلك من التّفاصيل تنظر في مصطلح ‏(‏حوالة‏)‏‏.‏

مواطن البحث

8 - للاحتيال بمعنى الطّرق الّتي يتوصّل بها الإنسان إلى غرضه أحكام مفصّلة في مصطلح ‏(‏حيلة‏)‏ وفي كتب الأصول ولها علاقتها بمقاصد الشّريعة وبالذّرائع‏.‏ وينظر في الملحق الأصوليّ‏.‏

إحداد

التّعريف

1 - من معاني الإحداد في اللّغة‏:‏ المنع، ومنه امتناع المرأة عن الزّينة وما في معناها إظهاراً للحزن‏.‏ وهو في الاصطلاح‏:‏ امتناع المرأة من الزّينة وما في معناها مدّةً مخصوصةً في أحوال مخصوصة، وكذلك من الإحداد امتناعها من البيتوتة في غير منزلها‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

الاعتداد‏:‏

2 - وهو تربّص المرأة مدّةً محدّدةً شرعاً لفراق زوجها بوفاة أو طلاق أو فسخ‏.‏ والعلاقة بين الاعتداد والإحداد أنّ الاعتداد طرف للإحداد، ففي العدّة‏.‏ تترك المرأة زينتها لموت زوجها‏.‏

صفته ‏(‏حكمه التّكليفيّ‏)‏‏:‏

3 - أجمع العلماء على وجوب الإحداد في عدّة الوفاة من نكاح صحيح ولو من غير دخول بالزّوجة‏.‏ والدّليل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لا يحلّ لامرأة تؤمن باللّه واليوم الآخر أن تحدّ على ميّت فوق ثلاث ليال إلاّ على زوج، أربعة أشهر وعشراً»‏.‏ كما أجمعوا على أنّه لا إحداد على الرّجل‏.‏ وقد أجمعوا أيضاً على أنّه لا إحداد على المطلّقة رجعيّاً، بل يطلب منها أن تتعرّض لمطلّقها وتتزيّن له لعلّ اللّه يحدث بعد ذلك أمراً‏.‏ على أنّ للشّافعيّ رأياً بأنّه يستحبّ للمطلّقة رجعيّاً الإحداد إذا لم ترج الرّجعة‏.‏

4 - وأمّا المعتدّة من طلاق بائن بينونةً صغرى أو كبرى فقد اختلف العلماء فيه على اتّجاهين‏:‏ الأوّل‏:‏ ذهب الحنفيّة والشّافعيّ في قديمه، وهو إحدى الرّوايتين في مذهب أحمد، أنّ عليها الإحداد، لفوات نعمة النّكاح‏.‏ فهي تشبه من وجه من توفّي عنها زوجها‏.‏ الثّاني‏:‏ ذهب المالكيّة والشّافعيّ في جديده وهو إحدى الرّوايتين عن الإمام أحمد ‏(‏وقيل في بعض الكتب إنّها المذهب‏)‏ إلاّ أنّه لا إحداد عليها؛ لأنّ الزّوج هو الّذي فارقها نابذاً لها، فلا يستحقّ أن تحدّ عليه‏.‏ وإلى هذا ذهب جماعة من التّابعين، منهم سعيد بن المسيّب، وأبو ثور، وعطاء، وربيعة، ومالك، وابن المنذر‏.‏ إلاّ أنّ الشّافعيّ يرى في جديده أنّه يستحبّ لها أن تحدّ‏.‏

5 - وأمّا المنكوحة نكاحاً فاسداً إذا مات عنها زوجها فالجمهور على أنّه لا إحداد عليها؛ لأنّها ليست زوجةً على الحقيقة، وأنّ بقاء الزّواج الفاسد نقمة، وزواله نعمة، فلا محلّ للإحداد‏.‏ وذهب القاضي أبو يعلى من الحنابلة إلى وجوب الإحداد عليها تبعاً لوجوب العدّة، وذهب القاضي الباجيّ المالكيّ إلى أنّه إذا ثبت بينها وبين زوجها المتوفّي شيء من أحكام النّكاح، كالتّوارث وغيره، فإنّها تعتدّ عدّة الوفاة، ويلزمها الإحداد‏.‏

6 - أمّا إحداد المرأة على قريب غير زوج فإنّه جائز لمدّة ثلاثة أيّام فقط، ويحرم الزّيادة عليها‏.‏ والدّليل على ذلك ما روته زينب بنت أبي سلمة، قالت‏:‏ «لمّا أتى أمّ حبيبة نعي أبي سفيان دعت في اليوم الثّالث بصفرة، فمسحت به ذراعيها وعارضيها، وقالت‏:‏ كنت عن هذا غنيّة، سمعت النّبيّ صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ لا يحلّ لامرأة تؤمن باللّه واليوم الآخر أن تحدّ فوق ثلاث إلاّ على زوج فإنّها تحدّ عليه أربعة أشهر وعشراً‏.‏» أخرجه البخاريّ ومسلم، واللّفظ له‏.‏ وللزّوج منعها من الإحداد على القريب‏.‏

إحداد زوجة المفقود

7 - المفقود‏:‏ هو من انقطع خبره، ولم تعلم حياته من مماته‏.‏ فإذا حكم باعتباره ميّتاً فقد أجمع العلماء على أنّ زوجته تعتدّ عدّة وفاة من حين الحكم، ولكن أيجب عليها الإحداد‏؟‏ ذهب جمهور العلماء إلى وجوبه باعتبار أنّها معتدّة عدّة وفاة، فتأخذ حكمها‏.‏ وذهب ابن الماجشون من المالكيّة إلى أنّه وإن وجبت عليها العدّة فإنّه لا إحداد عليها‏.‏

بدء مدّة الإحداد

8 - يبدأ الإحداد عقيب الوفاة سواء علمت الزّوجة بوقتها، أو تأخّر علمها، وعقيب الطّلاق البائن عند من يرى ذلك‏.‏ هذا إذا كانت الوفاة والطّلاق معلومين‏.‏ أمّا إذا مات الزّوج، أو طلّقها، وهو بعيد عنها فيبدأ الإحداد من حين علمها‏.‏ وليس عليها قضاء ما فات، وينقضي بانقضاء العدّة، وإذا انتهت مدّة الإحداد وبقيت محدّةً بلا قصد فلا إثم عليها‏.‏

حكمة تشريع الإحداد

9 - شرع إحداد المرأة المتوفّى عنها زوجها وفاءً للزّوج، ومراعاةً لحقّه العظيم عليها، فإنّ الرّابطة الزّوجيّة أقدس رباط، فلا يصحّ شرعاً ولا أدباً أن تنسى ذلك الجميل، وتتجاهل حقّ الزّوجيّة الّتي كانت بينهما‏.‏ وليس من الوفاء أن يموت زوجها من هنا، ثمّ تنغمس في الزّينة وترتدي الثّياب الزّاهية المعطّرة، وتتحوّل عن منزل الزّوجيّة، كأنّ عشرةً لم تكن بينهما‏.‏ وقد كانت المرأة قبل الإسلام تحدّ على زوجها حولاً كاملاً تفجّعاً وحزناً على وفاته، فنسخ اللّه ذلك وجعله أربعه أشهر وعشراً‏.‏ هكذا قرّر علماء أئمّة المذاهب الأربعة فيما يستخلص من كلامهم على أحكام الإحداد‏.‏ فقد ذكروا ‏"‏ أنّ الحداد واجب على من توفّي عنها زوجها، إظهاراً للتّأسّف على ممات زوج وفّى بعهدها، وعلى انقطاع نعمة النّكاح، وهي ليست نعمةً دنيويّةً فحسب، ولكنّها أيضاً أخرويّة؛ لأنّ النّكاح من أسباب النّجاة في المعاد والدّنيا ‏"‏ وشرع الإحداد أيضاً؛ لأنّه يمنع تشوّف الرّجال إليها؛ لأنّها إذا تزيّنت يؤدّي إلى التّشوّف، وهو يؤدّي إلى العقد عليها، وهو يؤدّي إلى الوطء، وهو يؤدّي إلى اختلاط الأنساب، وهو حرام‏.‏ وما أدّى إلى الحرام حرام»‏.‏

من تحدّ ومن لا تحدّ‏؟‏

10 - تبيّن فيما سبق من يطلب منها الإحداد في الجملة‏.‏ وهناك حالات وقع فيها خلاف بين الفقهاء، منها‏:‏ الكتابيّة زوجة المسلم، والصّغيرة‏.‏

11 - أمّا الكتابيّة فقد ذهب مالك - في رواية ابن القاسم - والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّها يجب عليها الإحداد مدّة العدّة إذا مات زوجها المسلم، وذلك؛ لأنّ الإحداد تبع للعدّة فمتى وجبت عليها عدّة الوفاة وجب عليها الإحداد‏.‏ وذهب الحنفيّة ومالك في رواية أشهب إلى أنّه لا إحداد عليها؛ لأنّ الإحداد مطلوب من المسلمة، لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لا يحلّ لامرأة تؤمن باللّه واليوم الآخر‏.‏‏.‏‏.‏» الحديث‏.‏

12 - وأمّا الصّغيرة فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّها تحدّ، وعلى وليّها أن يمنعها من فعل ما ينافي الإحداد؛ لأنّ الإحداد تبع للعدّة‏.‏ ولما روي عن أمّ سلمة رضي الله عنها «أنّ امرأةً أتت النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت‏:‏ يا رسول اللّه، إنّ ابنتي توفّي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفنكحلها‏؟‏ فقال‏:‏ لا مرّتين، أو ثلاثاً» الحديث، ولم يسأل عن سنّها، وترك الاستفصال في مقام السّؤال دليل على العموم‏.‏ وذهب الحنفيّة إلى عدم وجوب الإحداد عليها لحديث‏:‏ «رفع القلم عن ثلاث‏:‏ عن النّائم حتّى يستيقظ، وعن المبتلى حتّى يبرأ، وعن الصّبيّ حتّى يكبر»‏.‏ فإن بلغت في العدّة حدّت فيما بقي‏.‏ ومثلها المجنونة الكبيرة إذا أفاقت‏.‏ وأمّا الأمة فالفقهاء على أنّه يلزمها الإحداد مدّة عدّتها؛ لعموم الحديث في وجوب الإحداد، وحكى الشّافعيّة الإجماع على ذلك»‏.‏

ما تتجنّبه المحدّة

13 - تجتنب المحدّة كلّ ما يعتبر زينةً شرعاً أو عرفاً، سواء أكان يتّصل بالبدن أو الثّياب أو يلفت الأنظار إليها، كالخروج من مسكنها، أو التّعرّض للخطّاب‏.‏ وهذا القدر مجمع عليه في الجملة‏.‏ وقد اختلف الفقهاء في بعض الحالات فاعتبرها البعض من المحظورات على المحدّة، ولم يعتبرها الآخرون‏.‏ وذلك كبعض الملابس المصبوغة، واختلافهم في الملابس السّوداء والبيضاء والمصبوغة بغير الزّعفران والمعصفر‏.‏ وعند التّحقيق نجد أنّ اختلافهم - فيما عدا المنصوص عليه - ناشئ عن اختلاف العرف‏:‏ فما اعتبر في العرف زينة اعتبروه محرّماً، وما لم يعتبر اعتبر مباحاً‏.‏ والممنوع يرجع كلّه إمّا إلى البدن، أو الثّياب، أو الحليّ، أو التّعرّض للخطّاب، أو البيتوتة‏.‏

14 - فأمّا ما يتّصل بالبدن فالّذي يحرم عليها كلّ ما يعتبر مرغّباً فيها من طيب وخضاب وكحل للزّينة‏.‏ ومن ذلك الأشياء المستحدثة للزّينة، وليس من ذلك ما تتعاطاه المرأة للتّداوي كالكحل والامتشاط بمشط واسع لا طيب فيه‏.‏ وذهب الحنفيّة إلى كراهية الامتشاط بمشط الأسنان وهو بلا طيب؛ لأنّه يعتبر من الزّينة عندهم‏.‏ على أنّ من لا كسب لها إلاّ من الاتّجار بالطّيب أو صناعته فإنّ الشّافعيّة ينصّون على جواز مسّها له‏.‏ وهذا كلّه في بدء التّطيّب بعد لزوم الإحداد، أمّا لو تطيّبت قبل ذلك فهل عليها إزالته بعد لزوم الإحداد‏؟‏ ذهب الشّافعيّة - إلى وجوب ذلك - وهو قول للمالكيّة اختاره ابن رشد‏.‏ والرّأي الآخر للمالكيّة واختاره القرافيّ أنّه ليس عليها إزالته‏.‏

15 - واختلفوا في الأدهان غير المطيّبة، كالزّيت والشّيرج، فالحنفيّة والشّافعيّة يرون أنّ استعمالها من الزّينة الممنوعة على المحدّة، خلافاً للمالكيّة والحنابلة‏.‏ ففي حديث أمّ سلمة رضي الله عنها «أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم دخل عليها حين توفّي زوجها أبو سلمة، فنهاها أن تمتشط بالطّيب ولا بالحنّاء، فإنّه خضاب‏.‏ قالت‏:‏ قلت بأيّ شيء أمتشط‏؟‏ قال‏:‏ بالسّدر تغلّفين به رأسك» أي تجعلين عليه من السّدر ما يشبه الغلاف‏.‏

16 - وأمّا ما يتّصل بالملابس فهو كما قلنا كلّ ما جرى العرف باعتباره زينةً، بصرف النّظر عن اللّون، فقد يكون الثّوب الأسود محظوراً إذا كان يزيدها جمالاً، أو جرى العرف عند قومها باعتباره من ملابس الزّينة‏.‏ ولكن ورد النّصّ بالنّهي عن المعصفر والمزعفر من الثّياب؛ لأنّهما يفوح منهما الطّيب، لحديث أمّ عطيّة في الصّحيحين «كنّا ننهى أن نحدّ على ميّت فوق ثلاث، إلاّ على زوج أربعة أشهر وعشراً، وأن نكتحل، وأن نتطيّب، وأن نلبس ثوباً مصبوغاً‏.‏» وأمّا من لم يكن عندها إلاّ ثوب واحد من المنهيّ عن لبسه فلا يحرم عليها لبسه حتّى تجد غيره؛ لأنّ ستر العورة أوجب من الإحداد‏.‏ ونقل عن الخرقيّ من الحنابلة أنّه يحرم عليها استعمال النّقاب، فإن اضطرّت إلى ستر وجهها؛ فلتسدل النّقاب وتبعده عن وجهها وذلك؛ لأنّه اعتبر المحدّة كالمحرمة ولكن المذهب على غير ذلك فلها استعمال النّقاب مطلقاً‏.‏

17 - أمّا الحليّ‏:‏ فقد أجمع الفقهاء على حرمة الذّهب بكلّ صوره عليها، فيلزمها أن تنزعه حينما تعلم بموت زوجها، لا فرق في ذلك بين الأساور والدّمالج والخواتم، ومثله الحليّ من الجواهر‏.‏ ويلحق به ما يتّخذ للحلية من غير الذّهب والفضّة كالعاج وغيره‏.‏ وجوّز بعض الفقهاء لبس الحليّ من الفضّة، ولكنّه قول مردود لعموم النّهي عن لبس الحليّ على المحدّة‏.‏ وقصر الغزاليّ من الشّافعيّة الإباحة على لبس الخاتم من الفضّة؛ لأنّه ليس ممّا تختصّ بحلّه النّساء‏.‏ وتحرم على المحدّة التّعرّض للخطّاب بأيّ وسيلة من الوسائل تلميحاً أو تصريحاً، لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه النّسائيّ وأبو داود‏:‏ «ولا تلبس المعصفر من الثّياب، ولا الحليّ»‏.‏

ما يباح للمحدّة

18 - للمعتدّة الخروج في حوائجها نهاراً سواء كانت مطلّقةً أو متوفًّى عنها، لما روى «جابر قال‏:‏ طلقت خالتي ثلاثاً، فخرجت تجذّ نخلها، فلقيها رجل فنهاها‏.‏ فذكرت ذلك للنّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ اخرجي فجذّي نخلك، لعلّك أن تتصدّقي منه أو تفعلي خيراً‏.‏» رواه النّسائيّ وأبو داود‏.‏ وروى مجاهد قال‏:‏ «استشهد رجال يوم أحد، فجاء نساؤهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وقلن‏:‏ يا رسول اللّه نستوحش باللّيل، أفنبيت عند إحدانا، فإذا أصبحنا بادرنا إلى بيوتنا‏؟‏ فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ تحدّثن عند إحداكنّ، حتّى إذا أردتنّ النّوم فلتؤب كلّ واحدة إلى بيتها»‏.‏ وليس لها المبيت في غير بيتها، ولا الخروج ليلاً إلاّ لضرورة؛ لأنّ اللّيل مظنّة الفساد، بخلاف النّهار فإنّه مظنّة قضاء الحوائج والمعاش وشراء ما يحتاج إليه‏.‏ وإن وجب عليها حقّ لا يمكن استيفاؤه إلاّ بها، كاليمين والحدّ، وكانت ذات خدر، بعث إليها الحاكم من يستوفي الحقّ منها في منزلها‏.‏ وإن كانت برزةً جاز إحضارها لاستيفائه‏.‏ فإذا فرغت رجعت إلى منزلها‏.‏ على أنّ المالكيّة صرّحوا بأنّه لا بأس للمحدّة أن تحضر العرس، ولكن لا تتهيّأ فيه بما لا تلبسه المحدّة‏.‏ اتّفق أئمّة المذاهب الأربعة على أنّه يباح للمحدّة في عدّة وفاتها الأشياء التّالية‏:‏ يباح لها أن تلبس ثوباً غير مصبوغ صبغاً فيه طيب وإن كان نفيساً‏.‏ ويباح لها من الثّياب كلّ ما جرى العرف على أنّه ليس بزينة مهما كان لونه‏.‏ ولمّا كان الإحداد خاصّاً بالزّينة في البدن أو الحليّ والثّياب على التّفصيل السّابق، فلا تمنع من تجميل فراش بيتها، وأثاثه، وستوره والجلوس على أثاث وثير‏.‏ ولا بأس بإزالة الوسخ والتّفث من ثوبها وبدنها، كنتف الإبط، وتقليم الأظافر إلخ، والاغتسال بالصّابون غير المطيّب، وغسل رأسها ويديها، ولا يخفى أنّ للمرأة المحدّة أن تقابل من الرّجال البالغين من لها حاجة إلى مقابلته ما دامت غير مبدية زينتها ولا مختلية به‏.‏

سكن المحدّة

19 - ذهب جمهور الفقهاء من السّلف والخلف، ولا سيّما أصحاب المذاهب الأربعة، إلى أنّه يجب على المعتدّة من وفاة أن تلزم بيت الزّوجيّة الّذي كانت تسكنه عندما بلغها نعي زوجها، سواء كان هذا البيت ملكاً لزوجها، أو معاراً له، أو مستأجراً‏.‏ ولا فرق في ذلك بين الحضريّة والبدويّة، والحائل والحامل‏.‏ والأصل في ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا تخرجوهنّ من بيوتهنّ‏}‏ وحديث «فريعة بنت مالك وأنّها جاءت إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فأخبرته أنّ زوجها خرج في طلب أعبد له فقتلوه بطرف القدوم، فسألت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن أرجع إلى أهلي، فإنّ زوجي لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة‏.‏ قالت‏:‏ فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ نعم‏.‏ قالت‏:‏ فخرجت حتّى إذا كنت في الحجرة، أو في المسجد دعاني، أو أمر بي فدعيت له، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ كيف قلت‏؟‏ فرددت عليه القصّة، فقال‏:‏ امكثي في بيتك حتّى يبلغ الكتاب أجله، فاعتدّت فيه أربعة أشهر وعشراً، فلمّا كان عثمان بن عفّان رضي الله عنه أرسل إليّ فسألني عن ذلك، فأخبرته، فاتّبعه وقضى به»‏.‏ رواه مالك في الموطّأ‏.‏ وذهب جابر بن زيد والحسن البصريّ وعطاء من التّابعين إلى أنّها تعتدّ حيث شاءت‏.‏ وروي ذلك عن عليّ وابن عبّاس وجابر وعائشة رضي الله عنهم‏.‏ وحاصل ما استدلّوا به‏:‏ أنّ الآية الّتي جعلت عدّة المتوفّى عنها زوجها أربعة أشهر وعشراً وهي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والّذين يتوفّون منكم ويذرون أزواجاً يتربّصن بأنفسهنّ أربعة أشهر وعشراً‏}‏ نسخت الآية الّتي جعلت عدّة المتوفّى عنها زوجها حولاً، وهي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والّذين يتوفّون منكم ويذرون أزواجاً وصيّةً لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج‏}‏‏.‏ والنّسخ إنّما وقع على ما زاد عن أربعة أشهر وعشر، فبقي ما سوى ذلك من الأحكام، ثمّ جاء الميراث فأسقط تعلّق حقّ إسكانها بالتّركة‏.‏

مسوّغات ترك مسكن الإحداد

20 - إن طرأ على المحدّة ما يقتضي تحوّلها عن المسكن الّذي وجب عليها الإحداد فيه، جاز لها الانتقال إلى مسكن آخر تأمن فيه على نفسها ومالها، كأن خافت هدماً أو عدوّاً، أو أخرجت من السّكن من مستحقّ أخذه، كما لو كان عاريّةً أو إجارةً انقضت مدّتها، أو منعت السّكنى تعدّياً، أو طلب به أكثر من أجرة المثل‏.‏ وإذا انتقلت تنتقل حيث شاءت إلاّ عند الشّافعيّة، وهو اختيار أبي الخطّاب من الحنابلة، فعليها أن تنتقل إلى أقرب ما يمكنها الانتقال إليه قياساً على ما إذا وجبت الزّكاة ولم يوجد من يستحقّها في مكان وجوبها، فإنّها تنقل إلى أقرب موضع يجدهم فيه‏.‏ وللجمهور أنّ الواجب سقط لعذر ولم يرد الشّرع له ببدل فلا يجب، ولعدم النّصّ على اختيار الأقرب‏.‏ أمّا البدويّة إذا انتقل جميع أهل المحلّة الّذين هي معهم أو بقي منهم من لا تأمن معه على نفسها ومالها فإنّها تنتقل عن السّكن الّذي بدأت فيه الإحداد كذلك‏.‏ وإذا مات ربّان السّفينة، أو أحد العاملين فيها، وكانت معه زوجته، ولها مسكن خاصّ بها في السّفينة، فإنّها تحدّ فيه، وتجري عليها الأحكام السّابقة‏.‏

أجرة سكن المحدّة، ونفقتها

21 - اختلفت مذاهب الفقهاء فيمن يلزمه أجر سكن المحدّة هل هو عليها أم من مال المتوفّى عنها‏.‏ فذهب الحنفيّة إلى أنّ أجرة سكن المحدّة من وفاة، من مالها؛ لأنّ الشّرع ورد بتوريثها، ولم يثبت لها أكثر من ذلك‏.‏ أمّا المحدّة من طلاق بائن - عندهم - فأجرة سكناها على الزّوج؛ لأنّ نفقتها عليه في مدّة العدّة، فإن دفعت من مالها رجعت عليه‏.‏ وذهب المالكيّة إلى التّفرقة بين المدخول بها وغيرها، فغير المدخول بها سكناها مع أهلها أو من مالها، للدّليل السّابق عند الحنفيّة‏.‏ وأمّا المدخول بها فإن كانت تسكن في ملكه أو في مسكن استأجره لها وعجّل أجرته فليس للورثة إخراجها حتّى لو بيعت الدّار، فيستثنى منها مدّة إحدادها‏.‏ فإن لم يكن كذلك فأجرة سكناها من مالها، وليس لها الرّجوع على مال التّركة بشيء، سواء في ذلك الحامل والحائل»‏.‏ وذهب الشّافعيّة إلى أنّ المحدّة تستحقّ أجرة السّكن من التّركة، بل تتعلّق بأعيان التّركة‏.‏ وتقدّم على مؤنة التّجهيز والدّيون المرسلة في الذّمّة في الأظهر، سواء أكانت حائلاً أم حاملاً، مدخولاً بها أو غير مدخول‏.‏ وفي غير الأظهر أنّ أجرة السّكنى عليها؛ لأنّها وارثة، فتلزمها، كالنّفقة‏.‏ وهناك قول آخر‏:‏ أنّ الّذي يقدّم على مؤنة التّجهيز أجرة سكنى يوم الوفاة، وهذا إذا لم تكن تسكن فيما يملكه أو يملك منفعته أو لم يكن قد عجّل الأجرة قبل الوفاة‏.‏ وذهب الحنابلة إلى التّفرقة بين الحامل والحائل، فالحائل أجرة سكناها في الإحداد من مالها بلا خلاف عندهم، للدّليل المذكور سابقاً‏.‏ وأمّا الحامل فعندهم روايتان، إحداهما‏:‏ لها أجرة السّكنى من مال المتوفّى عنها؛ لأنّها حامل من زوجها، فكانت لها السّكنى والنّفقة، كالمفارقة في الحياة‏.‏ والثّانية‏:‏ ليس لها ذلك‏.‏ وصحّح القاضي أبو يعلى هذه الرّواية‏.‏ هذا عن أجرة سكنى المحدّة، أمّا نفقتها فموطن بحثه مصطلح ‏(‏عدّة‏)‏؛ لأنّ حكم النّفقة تابع للاعتداد لا للإحداد‏.‏

حجّ المحدّة

22 - ذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه لا تخرج المعتدّة إلى الحجّ في عدّة الوفاة؛ لأنّ الحجّ لا يفوت، والعدّة تفوت‏.‏ روي ذلك عن عمر وعثمان، وبه قال سعيد بن المسيّب والثّوريّ وأصحاب الرّأي‏.‏ وروي عن سعيد بن المسيّب قال‏:‏ توفّي أزواج نساؤهنّ حاجّات أو معتمرات، فردّهنّ عمر رضي الله عنه من ذي الحليفة حتّى يعتددن في بيوتهنّ‏.‏ فإذا خرجت المرأة إلى الحجّ فتوفّي عنها زوجها وهي بالقرب، أي دون مسافة قصر الصّلاة، رجعت لتقضي العدّة؛ لأنّها في حكم الإقامة‏.‏ ومتى رجعت وقد بقي من عدّتها شيء، أتت به في منزلها‏.‏ وإن كانت قد تباعدت بأن قطعت مسافة القصر فأكثر، مضت في سفرها؛ لأنّ عليها في الرّجوع مشقّةً، فلا يلزمها‏.‏ فإن خافت أن تتعرّض لمخاطر في الرّجوع، مضت في سفرها ولو كانت قريبةً؛ لأنّ عليها ضرراً في رجوعها‏.‏ وإن أحرمت بعد موته لزمتها الإقامة؛ لأنّ العدّة أسبق‏.‏ وفي رأي للحنفيّة‏:‏ أنّ المرأة إذا خرجت إلى الحجّ، فتوفّي عنها زوجها، فالرّجوع أولى لتعتدّ في منزلها، فلا ينبغي لمعتدّة أن تحجّ، ولا تسافر مع محرم أو غير محرم، فقد توفّي أزواج نساؤهنّ حاجّات أو معتمرات، فردّهنّ عبد اللّه بن مسعود رضي الله عنه من قصر النّجف‏.‏ فدلّ على أنّ المعتدّة تمنع من ذلك‏.‏ أمّا المالكيّة فيقولون‏:‏ إذا أحرمت بحجّ أو عمرة، ثمّ طرأت عليها عدّة بأن توفّي زوجها، بقيت على ما هي فيه، ولا ترجع لمسكنها لتعتدّ به؛ لأنّ الحجّ سابق على العدّة‏.‏ وإن أحرمت بحجّ أو عمرة بعد موجب العدّة من طلاق أو وفاة، فإنّها تمضي على إحرامها الطّارئ، وأثمت بإدخال الإحرام على نفسها بعد العدّة بخروجها من مسكنها‏.‏ ولم يعتبر الشّافعيّة المسافة الّتي تقطعها المحدّة المحرمة بالأيّام الّتي تقصر فيها الصّلاة‏.‏ ولكن قالوا‏:‏ إن فارقت البنيان، فلها الخيار بين الرّجوع والتّمام؛ لأنّها صارت في موضع أذن لها زوجها فيه وهو السّفر، فأشبه ما لو بعدت‏.‏

23 - ومثل الحجّ كلّ سفر، فليس لها أن تنشئ ذلك السّفر وهي محدّة‏.‏ وذهب أبو يوسف ومحمّد إلى أنّه إذا كان معها محرم فلا بأس بأن تخرج من المصر قبل أن تعتدّ‏.‏ وحاصل ما تفيده عبارات فقهاء المذاهب المختلفة أنّه إذا أذن الزّوج بالسّفر لزوجته، ثمّ طلّقها، أو مات عنها وبلغها الخبر، فإن كان الطّلاق رجعيّاً فلا يتغيّر الحكم؛ لقيام الزّوجيّة، حتّى لو كان معها في السّفر تمضي معه، وإن لم يكن معها والطّلاق بائن وكانت أقرب إلى بيت الزّوجيّة وجب عليها أن تعود لتعتدّ وتحدّ في بيت الزّوجيّة‏.‏ وإن كانت أقرب إلى مقصدها فهي مخيّرة بين المضيّ إلى مقصدها وبين العودة، والعودة أولى‏.‏ إلاّ أنّ المالكيّة يوجبون العودة، ولو بلغت مقصدها، ما لم تقم ستّة أشهر، إلاّ إذا كانت في حجّة الإسلام وأحرمت فإنّها تمضي عندهم في حجّتها‏.‏

اعتكاف المحدّة

24 - المعتكفة إذا توفّي عنها زوجها، لزمها الخروج لقضاء العدّة عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة؛ لأنّ خروجها لقضاء العدّة أمر ضروريّ، كما إذا خرج المعتكف للجمعة وسائر الواجبات، كإنقاذ غريق، أو إطفاء حريق، أو أداء شهادة تعيّن عليه، أو لفتنة يخشاها على نفسه أو أهله أو ماله‏.‏ وإذا خرجت المعتكفة لهذه الضّرورات، فهل يبطل اعتكافها‏؟‏ وهل تلزمها كفّارة يمين، أو لا كفّارة عليها‏؟‏ ذهب الحنفيّة والحنابلة، وهو أصحّ القولين للشّافعيّة، أنّه لا يبطل اعتكافها، فتقضي عدّتها، ثمّ تعود إلى المسجد، وتبني على ما مضى من اعتكافها‏.‏ والقول الثّاني للشّافعيّة‏:‏ يبطل اعتكافها، وقد خرّجه ابن سريج، وذكر البغويّ أنّها إذا لزمها الخروج للعدّة، فمكثت في الاعتكاف، عصت وأجزأها الاعتكاف‏.‏ قاله الدّارميّ‏.‏ أمّا المالكيّة فيقولون‏:‏ «تمضي المعتكفة على اعتكافها إن طرأت عليها عدّة من وفاة أو طلاق‏.‏ وبهذا قال ربيعة وابن المنذر‏.‏ أمّا إذا طرأ اعتكاف على عدّة فلا تخرج له، بل تبقى في بيتها حتّى تتمّ عدّتها، فلا تخرج للطّارئ، بل تستمرّ على السّابق ‏"‏ ‏(‏ر‏:‏ اعتكاف‏)‏‏.‏

عقوبة غير الملتزمة بالإحداد

25 - يستفاد من كلام أئمّة المذاهب الأربعة في الإحداد أنّ المحدّة المكلّفة لو تركت الإحداد الواجب كلّ المدّة أو بعضها، فإن كان ذلك عن جهل فلا حرج، وإن كان عمداً، فقد أثمت متى علمت حرمة ذلك، كما قاله ابن المقري من الشّافعيّة‏.‏ ولكنّها لا تعيد الإحداد؛ لأنّ وقته قد مضى، ولا يجوز عمل شيء في غير موضعه في غير وقته، وانقضت العدّة مع العصيان، كما لو فارقت المعتدّة المسكن الّذي يجب عليها ملازمته بلا عذر، فإنّها تعصي وتنقضي عدّتها‏.‏ ‏(‏ف 24‏)‏ وعلى وليّ غير المكلّفة إلزامها بالإحداد في مدّته وإلاّ كان آثماً‏.‏ ولم ترد في الشّرع عقوبة محدّدة لمن تركت الإحداد، ولكنّها توصف بأنّها عصت‏.‏ هذا ومن المعلوم أنّ الإمام من حقّه أن يعزّر المرأة المكلّفة على ترك الإحداد إذا تعمّدت ذلك بما يراه من وسائل التّعزير‏.‏

26 - وإذا أمر المطلّق أو الميّت قبل الموت، الزّوجة بترك الإحداد، فلا تتركه؛ لأنّه حقّ الشّرع، فلا يملك العبد إسقاطه؛ لأنّ هذه الأشياء دواعي الرّغبة، وهي ممنوعة عن النّكاح فتجتنبها لئلاّ تصير ذريعةً إلى الوقوع في المحرّم‏.‏